وهج الحياة
25 - 06 - 2007, 06:10 PM
أغنية (الأماكن) بوابة الظنون وغواية الحنين
في زمن غاب فيه الشجن عن سماء الأغنية المحلية تبدو أغنية الأماكن أغنية مأهولة بالحنين، وبالمسرات الموسيقية، وبالعذوبة الطاغية. إنها الأغنية الجديرة بذاكرة المتلقي. هي من الأغاني التي يتم تداولها على مستوى العشاق. فهي تكتنز الشفافية، بصياغتها المهذبة، وبالبراعة التي توزعت في أضلاعها الثلاثة.. سواء على مستوى النص أو اللحن أو الغناء. الأغنية صاغَ كلماتها منصور الشادي وصمّم اللحن ببراعة ناصر الصالح وتناولت هذه الجودة الفنية حنجرة محمد عبده. ليصدحَ بها كعادته بتألق في سماء جدة.. تذكروا جيداً أن أغنية (الأماكن) هي الأغنية الأكثر صفواً وهي الخيار المناسب لمن استولى عليه الحنين وراح يفتش عن مسرات الشجن في ذاكرة الأماكن.
أي حيلة ابتدعها الشاعر ليدفع بالأماكن إلى الأمام. ليجعلها هي ثيمة النص التي يتكئ عليها في التعبير عن مكنونات العاطفة. ليتوارى الشاعر خلف هذه المفردة التي ضخ فيها كل مواجع الفقد. فالمشهد العاطفي في النص يبتدئ من مبادرة حنونة تختزل عاطفة الشاعر (الأماكن كلها مشتاقة لك) والحديث بصيغة الجمع عن الأماكن ليس عفوياً. فالشاعر يريد أن ينال أكبر قدر من التعاطف عندما يتكئ على ذاكرة المكان. وهو عندما يدفع بالأماكن في المواجهة فهو يعرف أن الحبيب سوف يستطيع تأويل هذا الاشتياق. يدري بأن هناك بصمات خالدة لسيرة عشق توجّعت. هذا التوسل الراقي بالأماكن يكشف أنّ الشاعر يعرف كم هي ثمينة تلك الذكريات التي التصقت بالأماكن. التي احتوت وهج المشاعر في لحظات الصفو. وعندما غنى محمد عبده هذا المقطع غناه بمن كأنه يمنح الآخر تقريراً عن حالة محددة. ولا تخلو نبرة الصوت من العتاب الخفي. ويلبس ذلك العتاب شيئاً من التوجع الذي يمنح النص مهابة الفقد. وينتقل الشاعر مباشرة لتكريس حالة الحنين في مباغتة رهيفة فيقول (والعيون اللي انرسم فيها خيالك) والأطياف دوماً هي كحل الحنين. إنها مكاشفة البدايات فالشاعر يعرف يدير نصه ويعرف من أين تؤتى أبواب الوصال فيسلك أكثر الدروب وضوحاً وتحناناً ليزيد فيقول: (والحنين سرى بروحي وجالك) وما أرق هذه المبادرة فهي تضاهي الحالة الاستثنائية التي يعيشها الشاعر حتى وان كانت هي حالة فقد. ولكنه الخطاب الارستقراطي لأنثى تُكافأ بهذه اللغة الراقية. ثم يكثف دلال العتاب ليقول (ماهو بس آنا حبيبي) وعندما حضرت مفردة (حبيبي) فهي حضرت في اللحظة المناسبة تماماً. فالشاعر يتقصد حضورها وهي تجيء بعد حين من العتاب. فكان حضورها على حين غرة لكي ينهض الحبيب من غفوته ويجتمر شوقا عندما تطرقه مفردة (حبيبي).
كل شي حولي يذكرني بشي
حتى صوتي وضحكتي
لك فيها شي
لو تغيب الدنيا عمرك ما تغيب
شوف حالي من تطري علي
من هنا يدخل الشاعر في مرحلة التوجد الشفيف. إنها جناية التذكر. إنها يقظة الحنين عندما ينزرع في اللحظة. فكل الأشياء تستحيل إلى مشاهد سينمائية تعيد صياغة الاحتمالات. ويظل هو مؤتمن على ما تداعت به اللحظة من مهالك التذكر. وحتى يزيد الشاعر من سطوة خطاب الحنين فهو يقول: (حتى صوتي.. وضحكتي لك فيها شي) فهو يستعيد التفاصيل الكامنة في الصوت والضحك. وهو اختار بعناية تلك المفردتين. ليكشف لنا أن العلاقة كانت مزينة بالابتهاج. إنها من علاقات الحب الناضجة. ليس فيها بؤس أو شقاء إنما نعيم تتضح ملامحه من صياغة الشاعر لمفردات النص
.
لو تغيب الدنيا عمرك ما تغيب
شوف حالي من تطري علي
وهنا الشاعر يصيغ كدمات الغياب المؤجلة. إنها اللوعة المرتقبة لو حدثت فاجعة الغياب. فهو يؤكد أن الحبيب راسخ في الذاكرة. يجزم بهذا القول. ويستدل بهذا الضعف عندما تجود الذكراه بأطيافه (شوف حالي من تطري علي) ومفردة شوف يريد بها استثارة المحبوب. وجعله يتواطأ مع هذا التوجع الذي يناله حين يتذكر. وهذا الضعف النبيل هو حشمة التذكر.
المشاعر في غيابك
ذاب فيها ألف صوت
هذا الغياب القاسي لا بد أن يثمر بهذا التقرير العاطفي: المشاعر التي تستحوذ على كل الأصوات المغايرة. أصبحت لها القدرة على صهر كل الأصوات. لكي تتشكل في صوت الحبيب. إنه مأزق الاعتياد الذي يكمن للذاكرة فلا تبتهج إلا بعودة الغائب.
والليالي من عذابك
عذبت فيني السكوت
وصرت خايف لا تجيني
لحظة يذبل فيها قلبي
وكل أوراقي تموت
في هذا المقطع نجد براعة أخرى للشاعر فهو أن ذكر الصوت في المقطع السابق دلالة ضجيج الحياة وهي ترتبط بحضور الآخرين. نجده هنا يختار مفردة السكوت ويربطها بالليل. دلالة الوحدة.. الصمت. السكون. وهذه الحالة الملطخة بالهواجس لا بد أن يتمخض عنها المقطع التالي:
آه لو تدري حبيبي
كيف أيامي بدونك
تسرق العمر وتفوت
الأمان وين الأمان
وآنا قلبي من رحلت
ماعرف طعم الأمان
آه لو تدري حبيبي.. وهنا الشاعر يتدرج في استعراض المواجع فهو في البداية يعرض حالة المشاعر ثم بعد ذلك يأتي على ذكر (الليالي).. ثم يعبر بمفردة أيامي. وهو تدرج عفوي وآسر. وعندما يذكر الأيام فإنه يربطها بالعمر. وهنا يخرج الشاعر من دائرة الأوجاع العاطفية الضيقة إلى وجع أكبر وأعمق. وهو وجع الفقد في الحياة بكل صخبها وضجيجها. ويعلن بكل تجرد عن افتقاد الأمان. وهذه المفردة غير مطروقة تماماً في الشعر الغنائي ولكنها هنا حضرت لتسند الحالة الشعورية التي تتلبس الشاعر. هي تتعاضد مع ثيمة النص (الأماكن) وكأن الأماكن بجدرانها وأسوارها لا تصنع الحماية للقلب الشاعر. فحضوره يمثل الأمان فهو المتكأ وهو السور الذي له ظلال يصبغ على القلب حالة الطمأنينة.
وليه كل ماجيت أسأل هالمكان
أسمع الماضي يقول
ماهو بس آنا حبيبي
في منعطف الحنين والاشتياق يبدو هذا التساؤل مبرراً. والشاعر يذهب إلى استنطاق الأماكن وكأنها الشاهد الذي لا يزوّر شهادته. وفي هذا المقطع ترد مفردة الماضي. وهي ان جاءت بهذا التصريح الواضح. فهي لا تعني الماضي البعيد. بل هو الماضي الذي تطل رائحته عبر المكان. و الماضي هو أيضاً يتضامن مع الأماكن لتبدو الإدانة الرقيقة لمن تجافى وتولاه الغياب.
الأماكن اللي مريت انت فيها
عايشه بروحي وابيها
بس لكن ما لقيتك
وفي هذا المقطع يدخل الشاعر في نوبة شجن عميقة. يتدافع اشتياقه إلى أقاصي الحنين. يتكئ على التذكر الشجي المعتق بالأطياف. يتدفق.. ولعاً ويكرس اللوعة بشفافية في أعماق النص. فهو يتوسل بالأماكن التوسل الأخير. ليذهب الخطاب بعناية شديدة إلى المحبوب. (الأماكن اللي أنت مريت فيها) والمرور هنا لا يعني فقط أن خطوات سارت في تلك الأماكن بل هي أعمق من ذلك. فالسطوة باهرة وهي تضع للمحبوب كل هذه المزايا. وهذه الأماكن وهي تكتنز خضرة الشوق تكتسي ملامح الحياة. فيقول (عايشة بروحي) ولا يكتفي الشاعر بأنه يمنحها صفة الحياة بل أيضاً اختار لها المكان الأرحب (الروح) والروح بها من التحنان ما يفوق مفردة القلب. ثم يضيف برقة واحتياج العاشق (وابيها) وهذه الرغبة مصاغة باللهفة المتأججة. وفي ذروة هذا الاحتياج يعود الوجع من جديد عندما يقول (بس ما لقيتك) فاجعة الغياب أدركها الشاعر بوعي.. وسجلها برقة العاشق الذي يعرف كيف يجمل العتاب.
وكأنه يبرر للمحبوب الغياب. أو انه يختار ألطف المفردات لكي يخاطبه بهذا الوجل (بس ما لقيتك) وهذا الوجل والتهيب من إيلام المحبوب. يكشف مدى المهابة التي يتمثل بها طيف المحبوب لدى الشاعر فيظل لطيفاً حتى في أقسى لحظات احتياجه.
وفنية أخرى يبرع فيها الشاعر في صياغة المشاهد والأحاسيس العاطفية في النص. فهو في المقطع السابق يعلن عدم حضور المحبوب. ونظن أن الحكاية انتهت بهذا الغياب.
ولكن وعلى طريقة (الفلاش باك) يعيد لنا تصوير المشاهد في المقاطع القادمة:
جيت قبل العطر يبرد
قبل حتى يذوب في صمتي الكلام
واحتريتك
العطر هو عنوان لرقة الأنثى, والعطر أيضاً من أبجديات اللقاءات العاطفية وعندما يستدل الشاعر على محبوبته بمزايا عطرها فهو يدلل على تفوقه في حفظ تفاصيلها واختار العطر وهو من المفردات الأنثوية التي تختص بها كل أنثى وتشعر بتميزها إن هي جعلت عطرها بهذا التفرد لكي يكون الرائحة الأكثر وشاية بأطيافها. وهي الرائحة التي تعبق بالمكان فتجعل جمرة الأماني متوهجة بحضورها. ولأن ذاكرة الشاعر ثملة بالعطر فهو يشعر بأن رائحة العطر حاضرة في المكان. وللدقة اختار مفردة (جيت قبل العطر يبرد) أي أن لحظة الحضور كانت متلازمة مع حضوره. وفي البدايات دوماً يتألق العطر كرائحة تصنع ملامح الحضور الأنثوي الطاغي. وكما أن ذاكرته ثملة بالعطر هي أيضاً ممتلئة بالحكايات. فالمحب يتسلح بالحكايات قبل اللقاء لكي يترنم بها في حضرة المحبوب. ولكن الصمت يبتلع الكلام. والشاعر لا يكف عن لطافته حتى الرمق الأخير مع المحبوب. ليعبر بعد كل هذه الخيبة بقوله (واحتريتك) انه الانتظار الطويل. فهو معبأ بالأمل. وعندما يقول (احتريتك) فهي صياغة شفافة للعتاب المكرر بلطف. وكم هي آسرة تلك المفردة عندما تأتي في ختام هذا الوجع.
كنت أظن الريح جابت عطرك
يسلم علي
ولأن النوبة عميقة.. وهي تتداخل مع ما يتمنى وما يحلم به الشاعر. فيرتد إلى الظنون. ويخلق معها هذه الحوارية الجميلة. فهو يظن الريح تواطأت معه لتجلب له رائحة المحبوب. وأدرك الشاعر جفوة العلاقة فقال: (يسلم علي) كم هي مصافحة باذخة ان هي جاءت بهذا التحنان. والشاعر حتى في ظنونه يعرف كيف يستدرج الأمنيات فبدأها بالسلام. انها قدرة فائقة على ضبط الأمنيات. وهي أيضاً حيلة الأمنيات فمن يحضر عطره لا بد أن تحضر ذاته.
كنت أظن الشوق جابك
تجلس بجنبي شوي
وحتى يكتمل مشهد الأمنيات يستعين الشاعر بالشوق لإحضار المحبوب. يظن أن الشوق يحمل ثنائية يقتسمها الطرفين. ولا يغالي مع كل هذه الظنون. فهو يقتصد في أمنياته. فيقول (تجلس بجنبي شوي) وشوي لا تأتي عن قناعة ولكن سياق الظنون جعلته يتعفف من طلب المزيد. والمبتغى من هذه اللحظات القليلة تكفي لأن تروي عطش التذكر والحنين.
كنت أظن وكنت أظن وخاب ظني
مابقى بالعمر شي واحتريتك
الأماكن كلها مشتاقة لك
حتمية الظنون تنهي المشهد بهذه اللوعة اللي يتلبسها الخيبة. فالشاعر يكرر مفردة (كنت أظن وكنت أظن) وهو هنا لا يعلن ظنونه. بل يجعلها مفتوحة لكل احتمالات الظنون. والظنون فضاؤها شاسع. لكنه ينهي المشهد سريعاً بقوله (وخاب ظني) وهنا نشعر بالإيثار لدى الشاعر فهو يحيل الخيبة إلى ظنونه ويعفي المحبوب من مشقة اللوم. ثم يتكئ الشاعر على التلويح بالزمن وان العمر لم يعد يحتمل كل هذا البعد. لكنه لا يكف عن أمانيه فيهجس بالانتظار مرة أخرى (واحتريتك) يكررها مرة أخرى. وكأنه يحقن اللحظة بالمواجد والتعاطي مع الانتظار والحنين بمشاعر وعاطفة ترضى بهذه اللوعة المستديمة.. أو أن (احتريتك) تأتي كتحايل من الشاعر على المحبوب بأن وجع الانتظار سوف يظل مهابا حتى يعود. إنها الورقة الأخيرة التي ربما أعادت ميزان الحنين إلى حاله المتوازنة. وكما اتكأ على الأماكن في مقدمة النص هاهو أيضا يجعلها ختام لهذه اللوعة التي لا تنتهي
:in_love:للأمانة منقول:in_love:
:nosweat::nosweat::nosweat:
في زمن غاب فيه الشجن عن سماء الأغنية المحلية تبدو أغنية الأماكن أغنية مأهولة بالحنين، وبالمسرات الموسيقية، وبالعذوبة الطاغية. إنها الأغنية الجديرة بذاكرة المتلقي. هي من الأغاني التي يتم تداولها على مستوى العشاق. فهي تكتنز الشفافية، بصياغتها المهذبة، وبالبراعة التي توزعت في أضلاعها الثلاثة.. سواء على مستوى النص أو اللحن أو الغناء. الأغنية صاغَ كلماتها منصور الشادي وصمّم اللحن ببراعة ناصر الصالح وتناولت هذه الجودة الفنية حنجرة محمد عبده. ليصدحَ بها كعادته بتألق في سماء جدة.. تذكروا جيداً أن أغنية (الأماكن) هي الأغنية الأكثر صفواً وهي الخيار المناسب لمن استولى عليه الحنين وراح يفتش عن مسرات الشجن في ذاكرة الأماكن.
أي حيلة ابتدعها الشاعر ليدفع بالأماكن إلى الأمام. ليجعلها هي ثيمة النص التي يتكئ عليها في التعبير عن مكنونات العاطفة. ليتوارى الشاعر خلف هذه المفردة التي ضخ فيها كل مواجع الفقد. فالمشهد العاطفي في النص يبتدئ من مبادرة حنونة تختزل عاطفة الشاعر (الأماكن كلها مشتاقة لك) والحديث بصيغة الجمع عن الأماكن ليس عفوياً. فالشاعر يريد أن ينال أكبر قدر من التعاطف عندما يتكئ على ذاكرة المكان. وهو عندما يدفع بالأماكن في المواجهة فهو يعرف أن الحبيب سوف يستطيع تأويل هذا الاشتياق. يدري بأن هناك بصمات خالدة لسيرة عشق توجّعت. هذا التوسل الراقي بالأماكن يكشف أنّ الشاعر يعرف كم هي ثمينة تلك الذكريات التي التصقت بالأماكن. التي احتوت وهج المشاعر في لحظات الصفو. وعندما غنى محمد عبده هذا المقطع غناه بمن كأنه يمنح الآخر تقريراً عن حالة محددة. ولا تخلو نبرة الصوت من العتاب الخفي. ويلبس ذلك العتاب شيئاً من التوجع الذي يمنح النص مهابة الفقد. وينتقل الشاعر مباشرة لتكريس حالة الحنين في مباغتة رهيفة فيقول (والعيون اللي انرسم فيها خيالك) والأطياف دوماً هي كحل الحنين. إنها مكاشفة البدايات فالشاعر يعرف يدير نصه ويعرف من أين تؤتى أبواب الوصال فيسلك أكثر الدروب وضوحاً وتحناناً ليزيد فيقول: (والحنين سرى بروحي وجالك) وما أرق هذه المبادرة فهي تضاهي الحالة الاستثنائية التي يعيشها الشاعر حتى وان كانت هي حالة فقد. ولكنه الخطاب الارستقراطي لأنثى تُكافأ بهذه اللغة الراقية. ثم يكثف دلال العتاب ليقول (ماهو بس آنا حبيبي) وعندما حضرت مفردة (حبيبي) فهي حضرت في اللحظة المناسبة تماماً. فالشاعر يتقصد حضورها وهي تجيء بعد حين من العتاب. فكان حضورها على حين غرة لكي ينهض الحبيب من غفوته ويجتمر شوقا عندما تطرقه مفردة (حبيبي).
كل شي حولي يذكرني بشي
حتى صوتي وضحكتي
لك فيها شي
لو تغيب الدنيا عمرك ما تغيب
شوف حالي من تطري علي
من هنا يدخل الشاعر في مرحلة التوجد الشفيف. إنها جناية التذكر. إنها يقظة الحنين عندما ينزرع في اللحظة. فكل الأشياء تستحيل إلى مشاهد سينمائية تعيد صياغة الاحتمالات. ويظل هو مؤتمن على ما تداعت به اللحظة من مهالك التذكر. وحتى يزيد الشاعر من سطوة خطاب الحنين فهو يقول: (حتى صوتي.. وضحكتي لك فيها شي) فهو يستعيد التفاصيل الكامنة في الصوت والضحك. وهو اختار بعناية تلك المفردتين. ليكشف لنا أن العلاقة كانت مزينة بالابتهاج. إنها من علاقات الحب الناضجة. ليس فيها بؤس أو شقاء إنما نعيم تتضح ملامحه من صياغة الشاعر لمفردات النص
.
لو تغيب الدنيا عمرك ما تغيب
شوف حالي من تطري علي
وهنا الشاعر يصيغ كدمات الغياب المؤجلة. إنها اللوعة المرتقبة لو حدثت فاجعة الغياب. فهو يؤكد أن الحبيب راسخ في الذاكرة. يجزم بهذا القول. ويستدل بهذا الضعف عندما تجود الذكراه بأطيافه (شوف حالي من تطري علي) ومفردة شوف يريد بها استثارة المحبوب. وجعله يتواطأ مع هذا التوجع الذي يناله حين يتذكر. وهذا الضعف النبيل هو حشمة التذكر.
المشاعر في غيابك
ذاب فيها ألف صوت
هذا الغياب القاسي لا بد أن يثمر بهذا التقرير العاطفي: المشاعر التي تستحوذ على كل الأصوات المغايرة. أصبحت لها القدرة على صهر كل الأصوات. لكي تتشكل في صوت الحبيب. إنه مأزق الاعتياد الذي يكمن للذاكرة فلا تبتهج إلا بعودة الغائب.
والليالي من عذابك
عذبت فيني السكوت
وصرت خايف لا تجيني
لحظة يذبل فيها قلبي
وكل أوراقي تموت
في هذا المقطع نجد براعة أخرى للشاعر فهو أن ذكر الصوت في المقطع السابق دلالة ضجيج الحياة وهي ترتبط بحضور الآخرين. نجده هنا يختار مفردة السكوت ويربطها بالليل. دلالة الوحدة.. الصمت. السكون. وهذه الحالة الملطخة بالهواجس لا بد أن يتمخض عنها المقطع التالي:
آه لو تدري حبيبي
كيف أيامي بدونك
تسرق العمر وتفوت
الأمان وين الأمان
وآنا قلبي من رحلت
ماعرف طعم الأمان
آه لو تدري حبيبي.. وهنا الشاعر يتدرج في استعراض المواجع فهو في البداية يعرض حالة المشاعر ثم بعد ذلك يأتي على ذكر (الليالي).. ثم يعبر بمفردة أيامي. وهو تدرج عفوي وآسر. وعندما يذكر الأيام فإنه يربطها بالعمر. وهنا يخرج الشاعر من دائرة الأوجاع العاطفية الضيقة إلى وجع أكبر وأعمق. وهو وجع الفقد في الحياة بكل صخبها وضجيجها. ويعلن بكل تجرد عن افتقاد الأمان. وهذه المفردة غير مطروقة تماماً في الشعر الغنائي ولكنها هنا حضرت لتسند الحالة الشعورية التي تتلبس الشاعر. هي تتعاضد مع ثيمة النص (الأماكن) وكأن الأماكن بجدرانها وأسوارها لا تصنع الحماية للقلب الشاعر. فحضوره يمثل الأمان فهو المتكأ وهو السور الذي له ظلال يصبغ على القلب حالة الطمأنينة.
وليه كل ماجيت أسأل هالمكان
أسمع الماضي يقول
ماهو بس آنا حبيبي
في منعطف الحنين والاشتياق يبدو هذا التساؤل مبرراً. والشاعر يذهب إلى استنطاق الأماكن وكأنها الشاهد الذي لا يزوّر شهادته. وفي هذا المقطع ترد مفردة الماضي. وهي ان جاءت بهذا التصريح الواضح. فهي لا تعني الماضي البعيد. بل هو الماضي الذي تطل رائحته عبر المكان. و الماضي هو أيضاً يتضامن مع الأماكن لتبدو الإدانة الرقيقة لمن تجافى وتولاه الغياب.
الأماكن اللي مريت انت فيها
عايشه بروحي وابيها
بس لكن ما لقيتك
وفي هذا المقطع يدخل الشاعر في نوبة شجن عميقة. يتدافع اشتياقه إلى أقاصي الحنين. يتكئ على التذكر الشجي المعتق بالأطياف. يتدفق.. ولعاً ويكرس اللوعة بشفافية في أعماق النص. فهو يتوسل بالأماكن التوسل الأخير. ليذهب الخطاب بعناية شديدة إلى المحبوب. (الأماكن اللي أنت مريت فيها) والمرور هنا لا يعني فقط أن خطوات سارت في تلك الأماكن بل هي أعمق من ذلك. فالسطوة باهرة وهي تضع للمحبوب كل هذه المزايا. وهذه الأماكن وهي تكتنز خضرة الشوق تكتسي ملامح الحياة. فيقول (عايشة بروحي) ولا يكتفي الشاعر بأنه يمنحها صفة الحياة بل أيضاً اختار لها المكان الأرحب (الروح) والروح بها من التحنان ما يفوق مفردة القلب. ثم يضيف برقة واحتياج العاشق (وابيها) وهذه الرغبة مصاغة باللهفة المتأججة. وفي ذروة هذا الاحتياج يعود الوجع من جديد عندما يقول (بس ما لقيتك) فاجعة الغياب أدركها الشاعر بوعي.. وسجلها برقة العاشق الذي يعرف كيف يجمل العتاب.
وكأنه يبرر للمحبوب الغياب. أو انه يختار ألطف المفردات لكي يخاطبه بهذا الوجل (بس ما لقيتك) وهذا الوجل والتهيب من إيلام المحبوب. يكشف مدى المهابة التي يتمثل بها طيف المحبوب لدى الشاعر فيظل لطيفاً حتى في أقسى لحظات احتياجه.
وفنية أخرى يبرع فيها الشاعر في صياغة المشاهد والأحاسيس العاطفية في النص. فهو في المقطع السابق يعلن عدم حضور المحبوب. ونظن أن الحكاية انتهت بهذا الغياب.
ولكن وعلى طريقة (الفلاش باك) يعيد لنا تصوير المشاهد في المقاطع القادمة:
جيت قبل العطر يبرد
قبل حتى يذوب في صمتي الكلام
واحتريتك
العطر هو عنوان لرقة الأنثى, والعطر أيضاً من أبجديات اللقاءات العاطفية وعندما يستدل الشاعر على محبوبته بمزايا عطرها فهو يدلل على تفوقه في حفظ تفاصيلها واختار العطر وهو من المفردات الأنثوية التي تختص بها كل أنثى وتشعر بتميزها إن هي جعلت عطرها بهذا التفرد لكي يكون الرائحة الأكثر وشاية بأطيافها. وهي الرائحة التي تعبق بالمكان فتجعل جمرة الأماني متوهجة بحضورها. ولأن ذاكرة الشاعر ثملة بالعطر فهو يشعر بأن رائحة العطر حاضرة في المكان. وللدقة اختار مفردة (جيت قبل العطر يبرد) أي أن لحظة الحضور كانت متلازمة مع حضوره. وفي البدايات دوماً يتألق العطر كرائحة تصنع ملامح الحضور الأنثوي الطاغي. وكما أن ذاكرته ثملة بالعطر هي أيضاً ممتلئة بالحكايات. فالمحب يتسلح بالحكايات قبل اللقاء لكي يترنم بها في حضرة المحبوب. ولكن الصمت يبتلع الكلام. والشاعر لا يكف عن لطافته حتى الرمق الأخير مع المحبوب. ليعبر بعد كل هذه الخيبة بقوله (واحتريتك) انه الانتظار الطويل. فهو معبأ بالأمل. وعندما يقول (احتريتك) فهي صياغة شفافة للعتاب المكرر بلطف. وكم هي آسرة تلك المفردة عندما تأتي في ختام هذا الوجع.
كنت أظن الريح جابت عطرك
يسلم علي
ولأن النوبة عميقة.. وهي تتداخل مع ما يتمنى وما يحلم به الشاعر. فيرتد إلى الظنون. ويخلق معها هذه الحوارية الجميلة. فهو يظن الريح تواطأت معه لتجلب له رائحة المحبوب. وأدرك الشاعر جفوة العلاقة فقال: (يسلم علي) كم هي مصافحة باذخة ان هي جاءت بهذا التحنان. والشاعر حتى في ظنونه يعرف كيف يستدرج الأمنيات فبدأها بالسلام. انها قدرة فائقة على ضبط الأمنيات. وهي أيضاً حيلة الأمنيات فمن يحضر عطره لا بد أن تحضر ذاته.
كنت أظن الشوق جابك
تجلس بجنبي شوي
وحتى يكتمل مشهد الأمنيات يستعين الشاعر بالشوق لإحضار المحبوب. يظن أن الشوق يحمل ثنائية يقتسمها الطرفين. ولا يغالي مع كل هذه الظنون. فهو يقتصد في أمنياته. فيقول (تجلس بجنبي شوي) وشوي لا تأتي عن قناعة ولكن سياق الظنون جعلته يتعفف من طلب المزيد. والمبتغى من هذه اللحظات القليلة تكفي لأن تروي عطش التذكر والحنين.
كنت أظن وكنت أظن وخاب ظني
مابقى بالعمر شي واحتريتك
الأماكن كلها مشتاقة لك
حتمية الظنون تنهي المشهد بهذه اللوعة اللي يتلبسها الخيبة. فالشاعر يكرر مفردة (كنت أظن وكنت أظن) وهو هنا لا يعلن ظنونه. بل يجعلها مفتوحة لكل احتمالات الظنون. والظنون فضاؤها شاسع. لكنه ينهي المشهد سريعاً بقوله (وخاب ظني) وهنا نشعر بالإيثار لدى الشاعر فهو يحيل الخيبة إلى ظنونه ويعفي المحبوب من مشقة اللوم. ثم يتكئ الشاعر على التلويح بالزمن وان العمر لم يعد يحتمل كل هذا البعد. لكنه لا يكف عن أمانيه فيهجس بالانتظار مرة أخرى (واحتريتك) يكررها مرة أخرى. وكأنه يحقن اللحظة بالمواجد والتعاطي مع الانتظار والحنين بمشاعر وعاطفة ترضى بهذه اللوعة المستديمة.. أو أن (احتريتك) تأتي كتحايل من الشاعر على المحبوب بأن وجع الانتظار سوف يظل مهابا حتى يعود. إنها الورقة الأخيرة التي ربما أعادت ميزان الحنين إلى حاله المتوازنة. وكما اتكأ على الأماكن في مقدمة النص هاهو أيضا يجعلها ختام لهذه اللوعة التي لا تنتهي
:in_love:للأمانة منقول:in_love:
:nosweat::nosweat::nosweat: