مشاهدة النسخة كاملة : رواية الخلوج لـ محمد رشيد الرويلي كاملة
big love
06 - 08 - 2009, 02:51 PM
السلام عليكم
هاذي رواية قريتها و اعجبتني كثير
هي قصة باللغة العربية الفصحى وكل احداثها في البادية
فيها شهامة البدو وصدقهم صبرهم على الشدايد وحكمتهم وفيها بــعد شوية رومانسية
يــالله نبدأ
(1)
كل شيء ينذر بالهلاك..
الصحراء تئن من أديمها المتصدع، والسماء نازفة دماً وصديداً، والعيون تدور في محاجرها هلعاً ورعباً من الفجيعة، واليباس ينثر على الوجوه الصدئة غبار المصيبة..
حنت (ريمة) على أخيها (ضاري) تجفف بمنديلها عرقاً متصبباً من وجهه.. وكان ضاري يئن من الحمى، لم يستطع نقيع السعتر أن يخفف من وهجها الذي ألهب جسده.
الأنين يتصاعد، والزفرات حرّى، واعتكار الطبع من وله المجاهل ينتضي ألماً يرمّد العيون.. نعيق الغربان يرفد افتراءات السراب، ويلطي الآذان عزفاً على متارف النزف ليكون أغنية بحنجرة النشيج، وصرخة بفم الأنين..
اليدان الناعمتان ترتفعان بارتعاش، والعينان الدعجاوان تحملقان في أوشاب السماء كمن تملكها الغثيان، والشفتان الراجفتان تتضرعان:
ـ يا رب.. خفّف آلام أخي.. يا رب..
المنديل اكتوى بنار وجهه، والدموع اللزجة تنساب بتثاقل، والفزع جعلها تصرخ عندما سكن وجهه فجأة، واختفى أنينه..
ـ أخي.. أخي..
فرّقت شعرها، وشقّت جيبها، ودارت كالمجنونة حوله، وألقت وجهها عليه تشبعه لثماً وتقبيلاً، ما لبثت أن هدأت عندما سمعت خفقات صدره الخافتة، فرفعت رأسها تناجيه بحرقة:
ـ أخي ضاري.. لا ترحل وتتركني وحيدة..
ضاري.. يا أخي وأبي وأمي.. أنا بحاجة إليك..
تململ ضاري، وتمتمت شفتاه طالباً الماء..
رفعت ريمة رأسه بيسراها، وباليد الأخرى كانت تسقيه الماء، ودموع الفرح تنهمر دون بكاء..
ـ حمداً لله على سلامتك يا أخي.. ماذا أصابك؟
شرب ضاري قطرات من الماء، ورنا بعينين ناعستين إلى أخته الذاهلة، وغطّ في نوم عميق..
أصلحت ريمة غطاء أخيها، ولملمت رداءها بهدوء، وراحت تستطلع الأفق لتستشرف آفاقه.
الشمس دامية مهزومة، وجحافل الظلام تزحف مسرعة..
ـ أين أنت الآن يا أبي؟ كلما احتجت إليك افتقدتك..
أواه لو أن الريح تشاطرني الأسى لكان لخطواتي نحوك أجنحة الإعصار.. تعال يا أبي، فما أنا الآن إلا فراشة تحوم على سياج من نار.. أواه يا أبي ما زال بيني وبينك هوة عميقة دفنت فيها أمي منذ ولادتي.. تعال يا أبي الآن أرجوك، فإن أموراً أفدح من غاشية الموت، وأقسى مما في الذاكرة ما زالت تتماوج بالأنين.. الوجوه المغبرة تلطم كل آونة بحصباء اليباس، وهذا فارس القبيلة يصارع ألماً لا حدود له.. قبل ساعات يا أبي انتزع ابنك البسمة من شفاه التحدي عندما عزفت سنابك جواده الأدهم لحن الانتصار.. أما الآن.. بكت ريمة طويلاً، ورفعت يديها إلى السماء قائلة:
يا الله ما من غيرك مشافي
تهوّن على ضاري سقامه
أدعيك يا خالقي وأرفع جفافي
تبري الشاكي تجزيه السلامه
وريمة دمعها فوق الجفن صافي
على خيها تنوح نوح الحمامه
والسباع اليوم دثر اللحافي
والعين ما تصيب إلا النشامه
والشاف ضاري خلج الأطرافي
خرّن دموعه بلل لثامه
دارت ريمة حول الخيمة بوهن ما عرفته طوال حياتها، استوقفها صوت جزاع، رمقته عن بعد، كان يدلق القهوة المرة من وعاء إلى وعاء، معتمراً كوفية رقشاء خبا لونها، وتناسلت خيوطها، يروح ويجيء حول النار كأحد عبدتها، ثم يقف فجأة، ويضع كفيه على رأسه.. هذه عادته عندما يبدأ بالتفكير بأمر ما.. ترى بم يفكر الآن هذا الرجل الطيب الذي يخدم أباها منذ عشر سنين، وما اشتكى يوماً، ولا تأفف لحظة؟!
ما زالت يدا جزاع فوق رأسه، الأمر الذي أدهش ريمة، وعندما بدأ يضرب كفاً بكف من فوق رأسه. ذعرت ريمة، فتمتمت:
ـ أي أمر خطير يجعله يولول؟
اقتربت منه، وتنحنحت بقوة، فارتجف عندما أدرك أن ريمة كانت تراقبه، ما لبث أن حمل قهوته المرّة وفنجاناً يقطر ماءً، وهرول نحوها قائلاً:
يا ما حلا الفنجان
بحضور الرفاقهْ
هوّا دوى الولهان
لي ضاقت أخلاقهْ
فايح مثل نيسان
لي كملت الباقهْ
حنا عرب حجلان
نستاهل رياقهْ
ـ اشربي يا عمتي..
ـ جزاع.. ماذا كنت تفعل بنفسك؟
ـ هي عادتي والله عندما أقول شعراً.
ـ بمن كنت تتغزل؟
ـ أنت تعرفين أنني لا أقول شيئاً ولا أتغزل إلا بالقهوة المرة.
ـ اسمعني أيضاً إن كنت صادقاً.
يا ما حلا الفنجان
بارباع النشامهْ
يروي قلب هيمان
عطشان بهيامه
هوّا هوى العربان
وليوم القيامهْ
ريمة بنت حجلان
تستاهل مقامهْ
ـ أحسنت يا جزاع..
ـ اشربي يا عمتي لا أحد يعرف ماذا سيكون غداً.
ـ الله وحده العالم بكل شيء..
غيّبت ريمة بضع قطرات من القهوة في حلقها، وأمسكت بيدها الفنجان.. مد جزاع يده، فلم تعطه ريمة الفنجان..
ـ أريد أن أسمع مزيداً من الشعر يا جزاع.
ـ أقول يا ريمة:
طعين أنشد على أهل الدواوين
أدوّر بالمضارب والدواوين
أنا لاكتب على فراقهم دواوين
واخلي المفتضي ينشد على الاحباب
ـ الله يا جزاع الله.. والآن صارحني بالحقيقة ولا تخف.. من هي التي تحن إليها وتذكرها؟
ـ يا عمتي.. إنني أقصد أهلي البعيدين..
ـ جزاع.. سأكتم سرك، لا تخف.
ـ العنود يا عمتي.. العنود.. هي والله كل حياتي..
ـ ابشر يا جزاع، لن تكون العنود إلا لك..
أخذ جزاع يرقص فرحاً، يرفع دلة القهوة عالياً، ويهز الفنجان، ما لبث أن خلع كوفيته، وأخذ يهزها تارة، ويقذفها في الهواء تارة أخرى، ثم هرول راقصاً..
نادته ريمة ضاحكة، فعاد راقصاً..
ـ أتعرف أين ذهب أبي؟ ومتى سيأتي؟
ـ لست أدري والله، لكنني سمعته يقول: يجب أن نصالح الأخوين.
ـ ومن ذهب معه؟
ـ الشيخ سطام والشيخ مناور..
ـ اذهب من هنا الآن.
ـ ألا تريدين مني شيئاً يا عمتي؟
ـ ليس الآن.. هيا..
ـ سأذهب لأطعم الأدهم، فإن أردت مني شيئاً ناديني بصوت عال لأسمعك. أدارت ريمة ظهرها، ودخلت الخيمة بهدوء. تأملت وجه أخيها.. إنه يحلم، ولكن أنيناً خافتاً ينبعث رتيباً من جوفه..
لامست يدها وجهه، فشعرت بارتياح. لم تعد حرارته كاوية.. إنه أفضل من ذي قبل.. تسللت من الخيمة، وجلست عند أكمة قريبة تتأمل السماء، فثمة غيوم بيضاء، وأخرى سوداء تتعانق بهمجية، وأخذت تفتش عن القمر.. لقد كان في عراك مع الغيوم الهاربة، وظهر بعد لأي منهكاً، وآثار السياط على أديمه، يشكو همومه ومتاعبه إلى نجمة لامعة قريبة منه..
هو القمر ما ينفك يعيش في خيالاتنا ورؤانا، مزروعاً في أعصابنا، وساكناً في هواجسنا وتأملاتنا وغيبوبتنا..
نهضت ريمة عندما سمعت وقع حوافر البلقاء وصوت والدها، فهرولت مسرعة:
ـ ريمة ماذا تفعلين هنا؟
ـ أبي.. الحمد لله على السلامة..
ـ سلمك الله يا بنتي.. أين ضاري؟
ـ إنه نائم.. لقد أثقلت عليه كوابيس الحمى.
ـ ماذا ألم به يا بنتي؟
ـ لست أدري.. بعد فوزه بالسباق عاد إلى الخيمة، وسقط متهالكاً، وأخذ يئن أنين الخلوج.. لقد بكيت عليه كثيراً.
ـ لا تخافي يا بنتي عليه إنه أقوى من المرض، وتعالي معي لأحدثك.
ـ خيراً يا أبي؟!
ـ كل الخير إن شاء الله.. تعالي معي.
دخل أبو ضاري الخيمة مع ابنته، وألقى نظرة على ضاري، فوجده نائماً. أمسك يد ابنته وجرها بعيداً وجلسا على فراش وثير، ثم قال:
ـ كنت يا بنتي في قبيلة الصوالحة.. اختلف الأخوان مصلح وصالح إلى درجة القطيعة والتناحر، فأسرعت إليهما برفقة الشيخ سطام والشيخ مناور، والحمد لله الذي كلل مساعينا بالنجاح.
ـ وهل عادا كما كانا سابقاً؟
ـ لم نغادرهما إلا بعد أن أقسما على الوفاء لبعضهما، وأقسم صالح على الولاء لأخيه الأكبر مصلح.
ـ الحمد لله يا أبي.. طول عمرك تفعل الخير..
ـ فعل الخير يا بنتي شيمة توارثناها أباً عن جد، ولا شيء في الدنيا يقلقني سوى حرب الأخوة ومحاولة القوي التهام الضعيف.
ـ لكن الشيخ مناور ليس أهلاً لمرافقتك يا أبي، كل القبيلة تتحدث عن لؤمه وحقده ومكره.
ـ يا بنتي أنت تؤذينني بكلامك هذا.. إنّ له رأياً سديداً، وقد أكرمني اليوم عندما أوصلناه إلى خيمته، لقد اقسم يميناً مكروهاً أن نتعشى عنده أنا والشيخ سطام.
ـ هل أفهم من كلامك أنك تعشيت عنده يا أبي؟
ـ وكان عشاءً موفقاً والحمد لله..
ـ ماذا تعني يا أبي؟
ـ لقد خطبت ابنته الجميلة لضاري.
ـ نوار؟!
ـ أجل نوار.. لمَ تغير وجهك؟!
ـ لا شيء يا أبي.. لا شيء.
ـ هل زرت عمتك حليمة؟
ـ إنها بخير، وقد أرسلت العنود إليها لتخدمها.
ـ بارك الله فيك يا بنتي.
ـ هل تريد مني شيئاً يا أبي!
ـ ألا تجلسين معي قليلاً؟
ـ أريد أن أرى أخي.. ربما احتاج لمساعدتي.
ـ اذهبي يا بنتي.
***
big love
06 - 08 - 2009, 02:51 PM
(2)
تنفس الصبح بنسائم ندية، وأفاقت الشمس الجريحة تلملم ما تناثر من عقدها، وتعكس أطيافاً سحرية..
التلال معطرة بالندى، وثمة غيوم تمد أذرعها في كل اتجاه.. حملق ضاري فيها بدهشة ما لبث أن قال:
ـ ريمة.. انظري جيداً!!
ـ منظر بديع يا أخي..
ـ بمَ تشبهين تلك الغيوم؟
ـ أرى يا أخي قطيعاً من الأغنام ترعى في حقول الأفق.. هكذا يخيل إلي.. وأنت ماذا ترى؟
ـ إني ألمح فيها فرساً مطهّمة تسابق الريح..
ـ كلانا على حق يا أخي.
ـ ما بكِ حزينة يا أختاه؟!
ـ لا شيء.. ربما من كثرة ما بكيت البارحة.
ـ ولم بكيت؟
ـ عليك يا أخي. لم أكن أصدق أنك ستستعيد عافيتك بهذه السرعة
ـ إنها بفضل عنايتك ورعايتك يا أغلى أخت في الدنيا..
ـ وأنت والله أخي وأبي وأمي.. روحي فداك يا ضاري.
أدارت ريمة ظهرها، وسارت خطوات، وتوقفت وهي تحدث نفسها:
أَهَلْ أخبره بحديث والدي، أم أترك والدي يفاتحه بالموضوع؟
شعرت بأن أخاها قد لحق بها، وأحسّت بيده تلامس كتفها، فاستدارت، وقرأت في عينيه عتاباً رقيقاً، أشاحت بوجهها، وهمّت بالابتعاد عنه، لكنه أمسك بها قائلاً:
ـ ريمة.. ما بك أيتها الغالية؟!
ـ لا شيء يا أخي.
ـ لا يا ريمة.. متى كنت تخبئين عني همومك؟!
ـ اسمع يا أخي.. لقد خطب لك أبوك نوار بنت مناور.
أطلق ضاري قهقهة عالية دمعت عيناه من جرائها، فذهلت ريمة، واستبد بها الخوف وقالت غاضبة: أتسخر مني يا ضاري؟
ـ ماذا تقولين يا أختاه؟!
ـ أقول الحقيقة.
ـ نوار يا ريمة؟! نوار؟!
ـ نعم نوار وليس غيرها..
ـ ومتى تم له ذلك؟
ـ البارحة عند عودته من الصوالحة، تناول عشاءه عند مناور، وكان ما كان..
ـ ومن قال له إنني أرغب في الزواج الآن؟
ـ لست أردي.. ربما أقنعه ذلك اللئيم الماكر مناور، والآن ما رأيك؟
- لا تدفنوني بالحياة المريرة
ولا تخطبون الما يرهم اللي
النفس ما تبغاها عشيرة
واللسان ملجوم ما قال خلّي
ابن حجلان ما يركع جبيره
إلا لوجه الله أركع واصلي
ونوار بيتي والله ما تنيره
ما دام غيرها ربي محلّل اللي
ـ صدقت يا أخي، لكن هل سيسكت أبي على رفضك؟
ـ سيرضخ يا ريمة.
ـ لكنه سيغضب عليك، فأنت لا تعرف أبي في مثل هذه الأمور.
ـ لا عليك، سأجبره على فسخ الخطوبة. ثقي بي.
ـ أتمنى ذلك يا أخي.. والآن هيّا إني أسمع صوته.
كان الشيخ حجلان يبحث عن ولديه ولما لم يجدهما في فراشيهما بدأ ينادي: ريمة.. ضاري.. أين أنتما؟
بصوت واهن قالت ريمة: نحن هنا يا أبي.
تقدم الشيخ حجلان من ابنه، فاحتضنه قائلاً:
ـ الحمد لله على سلامتك يا ولدي. كيف ترى نفسك الآن؟
ـ بخير يا أبي، وبفضل الله وعناية ريمة ورعايتها لن يصيبني مكروه.
ـ بارك الله فيكما.. لكن ماذا تفعلان هنا؟
ـ نتأمل الغيوم.. انظر إليها يا أبي..
ـ تأمل الشيخ حجلان الغيوم السوداء بعينين دامعتين وقال:
الله كريم واهب الخير مدرار
ينجينا بغيث عن المضامي
تا تجم عيون المنابع والبيار
ويوارف المرعى وفقع المجامي
تا لدره يمجها الحمل وحوار
وسنام البل طافح وطامي
يا ولديّ الله كريم ، والآت تعالا لنشرب القهوة معاً.
جلس الشيخ حجلان، وجلس أمامه ضاري وريمة، وجاء جزاع بالقهوة المرّة متغزلاً بها كعادته، وبعد لأي نظر الشيخ حجلان في عيني ابنه، فنكسّ ضاري طرفه.
تنحنح الشيخ بقوة قائلاً: ولدي ضاري: هل حدثتك أختك بشيء؟
ـ نعم يا والدي:
العلم اللفا من ريمة ذبحني
أبوي فاتحتي قراها
عن غضب والدي ربي نصحني
ونوار روحي ما تهواها
ـ لم يا ولدي؟ إنها فتاة جميلة، وأبوها رجل طيب..
ـ لا أحبها يا أبي، ولا أتمناها زوجة لي. أقبّل يديك ورجليك اعفني من الزواج بها.
ـ وما العيب فيها؟ قل لي يا ولدي.
ـ قل ما محاسنها غير جمالها؟
ـ إلى هذا الحد أنت تكرهها؟
ـ أنا لا أحبها، ولا أكرهها.. إنها ماجنة متكبرة متعجرفة حاقدة. البارحة أثناء السباق كانت تقول لزميلاتها: والله لأركعن ضارياً..
ـ كلام الناس ليس مقياساً، ولا أسمح لأحد أن يقول لك مثل هذا الكلام، وأعتقد أن ناقل الحديث ربما كان له مأرب يا ولدي. استعذ بالله من الشيطان ودعني أقم لك فرحاً ما عرفته البادية برغم ما نحن فيه.
ـ لا يا والدي.. أنا على ثقة مما أقوله، وما قلته قليل من كثير..
ـ يا ولدي لقد قرأت الفاتحة، وأريدك أن تتزوجها، وتجعلها خادمة لك، ولا ترحمها إن خرجت عن طاعتك ومشورتك.
ـ والله لن يضمني معها فراش ما حييت..
ـ وأنت يا ريمة.. ألا تقولين شيئاً؟
ـ ضاري على حق يا أبي.. دعه يعش حياته كما يريد، ولا تكرهه على ما يكره .
ـ كلاكما جاهل.. واأسفاه على شبابي الذي أضعته لأجلكما انصرفا عني..
اعتصر الشيخ حجلان صدغيه بقوة، وداعب معزقة لحيته ونجمتها برفق، وأخذ يحدق في عيني خلوج وقفت أمامه، وأخذت تئن أنيناً يقطع الأكباد، فصاح الشيخ:
ـ من أطلق الخلوج من عقالها يا جزاع؟
ـ والله يا عماه كلما عقلناها تحتال على العقال، وتتخلص منه.. إنها تبحث عن وليدها في كل مكان..
ـ خذها.. لا أريد أن أراها..
اقتاد جزاع الناقة بضعة أمتار، لكنها ضربته بمنسمها، وكادت تقضي عليه لولا تدخل ضاري.
نهض جزاع لاعناً الخلوج واليوم الذي ذبح فيه وليدها.
صاح الشيخ حجلان بأعلى صوت، وقد هبَّ واقفاً:
ـ جزاع.. يا جزاع..
ـ حاضر يا عماه.
ـ هيئ لي البلقاء بسرعة.
ـ إلى أين يا عماه.
ـ إلى مكان قريب إن شاء الله.
***
big love
06 - 08 - 2009, 02:53 PM
(3)
نام الشيخ مناور بعد خطبة ابنته نوماً هانئاً.. كان يحلم بالثروة التي يملكها الشيخ حجلان، وأكثر من ذلك مقاسمته الحكم إن لم يستطع عزله، وكان يحلم بأن تكون ابنته في قبضة فارس يقطع لسان كل من يتحدث عنها بسوء.. إنه الحلم الكبير الذي عاش لأجله طويلاً، وخطط له مراراً، وهاهو الحلم لم يكن سراباً.. لقد أصبح حقيقة وأمراً واقعاً، وسيقول لابنته:
اطلبي عرساً لم تشهده البادية من قبل.. عرساً يليق بجمالها الأخاذ وبفارس القبيلة..
أما أم نوار.. شيحة.. فقد ملأت زغاريدها مضارب الزغيب والصافي قبيلة زوجها، وقبيلة الشيخ حجلان.. كانت تحلم بوحدة القبيلتين، وهاهو الحدث السعيد سيوحدهما دون ريب، فأغاظت بزغاريدها فتيات القبيلتين اللواتي كن يحلمن بفارس القبيلة.. كانت تحلم بالخيمة الكبيرة التي يرتاح فيها الشيخ حجلان وولداه، فهي ليست كأية خيمة.. إنها ستكون لنوار ابنتها، وسيعلو شأنها، وستكون الآمرة الناهية، وستنهمر عليها الثروة انهمار المطر على الأرض الجدباء.. كانت تهمس في أذن زوجها ليلة البارحة قائلة: إنها ليلة القدر يا أبا نوار، فلنستعجل هذا الزواج، ونقطع كل الألسن التي تلوك ابنتنا بسوء..
أما نوار تلك الفاتنة الماجنة فلم تنم ليلتها.. قالت لكل من عرفتها. ومن لم تعرفها: سبق أن قلت إنَّ ضارياً سيركع، وهاهو اليوم عند قدمي.. غمرتها نشوة الفوز، فلم تفارق الابتسامة شفتيها..
كانت تردد بين الفينة والأخرى: سأكون سيدة القبيلتين الأولى، وسيكون لي الخدم والحشم، ولي الكلمة الفصل في كل القضايا، وسيقتل كل من لم يسر بركابي، وسيسمع الجميع ما أقوله، وسينفذون ما آمر به.. نام الجميع واستيقظوا والابتسامة لم تفارق شفاههم..
الشيخ مناور، بعد أن شرب قهوة الصباح تحسس تجاعيد وجهه التي تشبه الطلاسم، وهو يخط على الأرض بخنجره خطوطاً متوازية ومتعرجة أذهلت شيحة..
نادته بصوت خافت فلم ينتبه لها واستمر يخط بالخنجر إلى أن غرسه وتنهد، فصاحت به:
ـ أبا نوار.. ماذا تفعل؟
ـ أتعرفين يا أم نوار؟
ـ ماذا؟
ـ عندما كنت مع الشيخ حجلان في قبيلة الصوالحة كان هناك حديث عن تحالفات بعض القبائل ضد قبائل أخرى.. لقد أعجبني هذا الحديث، وأنا أفكر فيه كثيراً.
ـ يا أبا نوار.. قبيلتنا صغيرة جداً وفقيرة، ولولا دخولنا في حمى الشيخ حجلان لانتهى أمرنا منذ زمن.
ـ يا مجنونة.. الصغير إذا لم يكبر يموت.. زواج نوار من ضاري سيحقق لنا الكثير، وسنصبح قبيلة واحدة، وسيكون لي شأن كبير فيها، وسأفرض تحالفاً يجر لنا نفعاً لا حدود له..
ـ تتحالف. مع من؟
ـ مع قبيلة المفاليح.. قبيلة الشيخ متعب..
ـ ضد مَنْ مِنَ القبائل؟
ـ ضد الصوالحة..
ـ ماذا تقول يا رجل؟! هل فقدت عقلك؟! البارحة كنت مع الشيخ حجلان تصلح فيها، وغداً تفسدها؟ اتق الله يا أبا نوار.
ـ مجنونة أنت.. أرض الصوالحة، وأرض الفيضة، وأرض الفوارس كل القبائل تتمناها. ماؤها وفير، وحلالها كثير..
تصوري إن الشيخ مروّح شيخ قبيلة الفوارس عندما تنهب منه مائة ناقة يرسل للسارق مائة أخرى.. لكن قبيلة الفوارس بعيدة علينا، والصوالحة قريبون جداً.
ـ وإذا لم يوافقك الشيخ حجلان؟
ـ سأجبره على الموافقة.
ـ والله لن تفلح، وإذا انتزعت الموافقة سيتصدى لك الشيخ سطام فهو الرجل الثاني في القبيلة بعد الشيخ حجلان.
ـ بعد زواج نوار لن يكون للشيخ سطام أية سلطة أو رأي، وإذا تجرأ فسأعرف كيف أتخلص منه.
ـ أبا نوار.. إن الطريق الذي ستسلكه مهلك.. هذا ما يخيل إلي..
ـ لا تخافي يا أم نوار.. لقد عانينا كثيراً، وطردنا من ديارنا، وجعنا طويلاً.. لقد آن الأوان لأنتقم، واحتل المكانة التي كنت أحلم بها..
ـ ولكنك الآن والحمد لله، وبفضل الشيخ حجلان بكل خير..
ـ لن أستجدي الخير من أحد.. سأقبض عليه بيدي، وسيعرف القاضي والداني من هو الشيخ مناور..
ـ أبا نوار.. أناشدك الله أن تكف عن هذه الوساوس..
ـ ستدركين فيما بعد أنَّ ما أقوله ليس وساوس.. والآن انظري.. إني أرى غبار فارس قادم إلينا..
ـ ومن سيكون سوى ضاري؟! يا عيني عليه لم يصدّق متى يطلع الصباح حتى يرى عروسه..
اسمع يا أبا نوار.. ابق هنا لتستقبله بالترحاب، وسأذهب لأوقظ نوار من نومها، وأساعدها على استكمال زينتها بما يليق، وسنعود معاً إليك.
ـ هيا أسرعي..
وقف أبو نوار يستطلع.. إنه ما يزال بعيداً..
أخذ يتأمل العروق النافرة الزرقاء التي تمتد كالجبال فوق يديه وذراعيه، فتنهد متمتماً:
ـ لن أرتاح قبل أن أزفّ نوار إلى البيت الكبير، وسأجعل فرحها سبعة أيام بلياليها، وسأقبر الفقر والذل إلى الأبد، وأحقق كل ما أطمح إليه..
ذهل الشيخ مناور عندما تكشّف الغبار عن البلقاء وفارسها الشيخ حجلان، فهرول، وأمسك بزمام البلقاء، وعانق الشيخ حجلان بحرارة، وجلسا يحتسيان القهوة المرة..
كان الشيخ مناور ينظر بعينين كليلتين إلى عيني الشيخ المنكستين، فأوجس في نفسه خيفة من جراء صمته وحزنه المرتسم على قسمات وجهه.. أراد أن يبدد مخاوفه، فهمهم:
ـ إن شاء الله بعد زواج نوار سننقل خيامنا ورجالنا إلى خيامكم ورجالكم يا شيخ حجلان.
ـ أجل.. أجل.. وسنصبح قبيلة واحدة بإذن الله.. ولكن أين نوار وأمها؟
ـ إنهما هنا.. سأناديهما في الحال.
شيحة.. نوار.. الشيخ حجلان عندنا..
تلقف الشيخ حجلان أحلى عبارات الترحيب من نوار وأمها، ثم جلست شيحة إلى جانب زوجها، أما نوار فاقتربت من الشيخ حجلان حتى كادت تلتصق به.. قبلت يده، فقبل جبينها، وهمس في سره: يا لها من فاتنة، سامحك الله يا ضاري.. كانت نوار بعطرها وفتنتها وأنوثتها الصارخة أكبر من عمرها، وأكثر نضجاً.. وردة خزامى تشرب الريح والمطر، وتستحم بندى الفجر، تستنفر العقل، وتوقظ في النفس توقاً إنسانياً إلى الانعتاق واكتشاف المجهول خلف الأشياء المألوفة..
التفت إليها الشيخ حجلان، فالتصقت به حتى لامس نهدها مرفقه، فارتعش ارتعاشة مريعة.. وضع كفه على كتفها الغض، واعتصرها بشوق، فسرت في جسده نار ساخنة أخرجته من وقاره..
رفعت أنامله رأسها المضمخ بالعبير. فرأى سحر عينيها الرائعتين. يا الله ما أروعهما!! إنهما تحملان عاطفة مشتعلة لا تنطفئ.. حدقتاها توقظان في النفس شهية قديمة للنقاش، وتعيد إلى الحياة ذلك الجزء من عقله الذي أحاله على التقاعد..
قال الشيخ حجلان بتنهد:
ـ كيف حالك يا نوار؟
فردت عليه بغنج ودلال بعد أن أسندت رأسها على كتفه:
ـ بخير طالما أنت إلى جانبنا.
مسح الشيخ حجلان جبينه المتفصد عرقاً وقال:
ـ سأظل إلى جانبكم ما حييت.. لا تخشي أحداً أيتها الغالية.. كل ما أملك من مال وحلال وجاه بين يديك يا نوار..
تنفس الشيخ مناور الصعداء، وابتسم ابتسامة ماكرة، وقال:
ـ لِمَ لم يأت ضاري معك يا شيخ؟
ـ لا أعرف يا أبا نوار ماذا سأقول لك؟ أرى أم نوار ذهبت، ولم تعد؟
ـ إنها تهيئ لك فطوراً.
ـ نادها بسرعة.
جاءت شيحة وهي تحمل بيديها طبقاً مملوءاً بالطعام. وضعته أمام الشيخ حجلان قائلة:
ـ بيدي هاتين جهزت لك فطور الصباح. يا مرحباً بك يا أكرم إنسان في الدنيا.
ـ أدامك الله ذخراً لنا يا أم نوار. اجلسي واسمعي ما سأقوله.
ـ خيراً إن شاء الله.
ـ تنحنح الشيخ حجلان، وهمَّ بالحديث لكن الحيرة تملّكته..
ماذا سيقول لهم؟ هل يردد على مسامعهم ما قاله ضاري؟ هل ينهي الموضوع ويعود إلى ولديه؟ إن قال ذلك ماذا سيكون موقفه من وجوه القوم وعامة الناس؟ لا.. لا التصقت به نوار أكثر.. كان عطرها يتسلل كالنسيم العليل إلى رأسه.. أغمض عينيه، وهو يتنسم شذا عطرها الساحر الذي أزاح من عينيه غشاوة قديمة، وعن قلبه كل هموم السنين العجاف.. كان يسمع ضربات قلبها الصغير.. إنه يناديه بشوق ولهفة.. رباه.. رباه.. ماذا أفعل؟!
تمتم بعد لأي: اسمعوا جميعاً ما أقول:
ـ ولدي ضاري قال لي البارحة: إني أشعر شعوراً أخوياً تجاه نوار..
نكست نوار رأسها، وتضاعف خفقان قلبها، وغرست عينيها في دقائق التراب، ما لبثت قسمات وجهها أن تشنجت، فأخذت تسترجع شريط الذكرى..
كيف كان ضاري يستخف بها وبجمالها كلما اعترضته..
كل محاولاتها لاقتناصه أخفقت.. كانت رغبتها في امتلاكه تلح عليها بعد كل إخفاق ذريع تمنى به..
لجأت إلى أسلوب لم تألفه القبيلة من قبل، وهو التقرب إلى الآخرين أمامه كي يستيقظ إحساسه بها.. لقد رآها أكثر من مرة مع قاصود وزمَّار القبيلة (هواش) فصرّح باحتقارها، وكانت تزداد رغبة في اقتناصه وإركاعه بكل الوسائل..
ربما سمع ما قالته أثناء السباق من إحدى ترائبها، وربما كانت ريمة التي لا تحبها هي التي أوغرت صدره عليها؟
همست في سرها، والحقد يملأ كيانها: سأنتقم يوماً ما منك يا ضاري.. سأهدم حياتك كما هدمت كل أحلامي..
أما أنت يا ريمة، فالأيام بيني وبينك، سترين مني العجائب، وسأجعلك من حيث لا تشعرين أضحوكة أمام الآخرين..
أما الشيخ مناور، فقد آلمه وجه ابنته المتشنج، وشرودها الذي طال.. لقد خبت تلك الابتسامة الرائعة التي كانت تملأ حياته.. لقد تهاوت أحلامه.. تباً لشيحة التي تنبأت بانهيار كل خططه وطموحاته..
حوّل بصره الذي توهج إلى عيني الشيخ حجلان، فوجدهما منكستين إلى الأرض.. قال مرتجفاً:
ـ ما هذا الذي تقوله يا شيخ حجلان؟ لم أعهد فيك سوى الوفاء والكرم والشجاعة.. ماذا سيقول الناس عنك وعني وعن ابنتي؟ الرحيل من القبيلة هو خير دواء لجرحي..
ـ ماذا جرى لعقلك أيها الرجل؟ فأنا لم آت إليك على وجه السرعة إلا من أجل الخير.
ـ أي خير تعني يا أبا ضاري؟
ـ جئت الآن خاطباً نوار لنفسي، فهل تردّون طلبي؟
تنفس الجميع الصعداء، ورفعت نوار رأسها بعصبية قائلة:
ـ ولن أكون والله إلا لك يا سيد الرجال إذا وافق أبي.
تمتمت الشفاه الراجفة بأم الكتاب، وتعانق الشيخان بحرارة.
زغردت شيحة طويلاً في الخيمة وخارجها، ونهض الشيخ حجلان والفرحة تغمر وجهه اللحيم، واقترب من نوار، وهمس في أذنها:
ـ متى سيكون عرسنا أيتها الساحرة؟
ـ متى تشاء يا سيدي.
ـ سيكون عرسنا بعد سبع ليال إن شاء الله.
رد الشيخ مناور ضاحكاً: نوار تريد العرس سبعة أيام بلياليها..
ـ لها كل ما تريد يا أبا نوار، وسيكون عرساً لم تشهده البادية من قبل.
***
(4)
غبار البلقاء يثير الفزع وهي تسابق الريح، وتصهل صهيل غضب كلما اقترب منها سابل.. إنها تسبق دائماً الفرح والحزن، وكل افتراءات الهمس والبوح، وتحب منادمة الرؤى.. إنها تحمل على صهوتها اليوم غداً مجهولاً لم تتعود حمله على مر الأيام والشهور والسنين، فتعدو فزعة، وخطمها الوردي يئز زبداً صابونياً ينذر بالخطر..
وطئت سنابكها كل أزهار الخريف، ولوت أعناق الشيخ والقيصوم، ودكت كل مخابئ الجرذان والسحالي والأفاعي.. لم ترحم أحداً وكبت مراراً، فغضب الشيخ حجلان منها، وانهال عليها بالسوط، فانحرفت عن مسارها تعابث الريح، وتغازل أطياف الشمس المبعثرة.. صاح بها الشيخ غاضباً:
ـ أنت مجنونة مثل ولدي.. كلاكما يعرف الطريق الصحيح ويحيد عنه.. هيا..
البلقاء تعدو، والسوط ينهال عليها بين الفينة والأخرى، أرادت أن تنحرف يميناً لكن السوط فاجأها، فوقفت على قائمتيها الخلفيتين، فتدحرج الشيخ على الأرض، وصهيلها يملأ الصحراء غضباً.. حدقت في عيني الشيخ الذي كان يئن من الألم، فاقتربت منه تشمّه، وتلامسه معتذرة، فوقف الشيخ متثاقلاً، وامتطى صهوتها بصعوبة والألم يعتصره..
أدرك ضاري أن الأمر جدّ خطير، فصهيل البلقاء لم ينقطع، وهي تمشي الهوينى.. نظر إلى أبيه، فوجد ثيابه مغبرة، ورأسه منكساً حتى يكاد يلامس عرفها، فهرول إليه، لكن جزاعاً قد سبقه. أمسك جزاع لجام البلقاء بقوة، واتكأ الشيخ على كتف ضاري، وترجل عن صهوة البلقاء.
ـ ماذا بك يا أبي؟! أين كنت؟ ماذا حل بك؟
ـ لا شيء.. كبت البلقاء.. لا أعرف ماذا أصابها! للمرة الأولى ترميني أرضاً يا ولدي.
ـ وهل آلمتك يا أبي؟
ـ رضوض طفيفة لا أهمية لها.. لا تشغل بالك يا ولدي.
ـ حمداً لله على سلامتك.
ـ سلمك الله يا ولدي.
أطلقت ريمة صيحة من أعماقها عند رؤية والدها وهو يئن من الألم، فصاح بها:
ـ لا تفعلي ذلك يا ريمة.. أنا بخير.
ـ أين كنت يا أبي؟
ـ لقد ذهبت لأفسخ خطوبة ضاري من نوار، فالزواج قسمة ونصيب.
قبّل ضاري يد والده، واحتضنته ريمة قائلة:
ـ وماذا كان رد فعلهم على ذلك؟
ـ بداية أصبحت وجوههم كالأموات، لكنني لم أرتض هذه النتيجة لأنها سُبّة علي يا بنتي..
ـ وماذا فعلت يا أبي؟
ـ خطبتها لنفسي.. كان ذلك هو الحل الوحيد.
ـ لكنها لا تليق بك والله.. وامصيبتاه.
ـ ثقا بي.. أنا أحسن معالجة الأمور المستعصية..
اعتصر ضاري صدغيه بقوة خوفاً من الانفجار، ما لبث أن قال بألم:
ـ إنها حيّة رقطاء ستنفث سمومها في كل مكان يا أبي.. أنا أعرفها جيداً.. إنها لا تصلح إلا لهواش..
ـ لم يكن أمامي غير هذا الحل الذي ألجأتني إليه. سامحك الله يا ولدي.
ـ يا أبي نحن لا نخاف منهم. أتريد أن أحرق خيامهم، وأقتلهم فرداً فرداً؟ أتريد أن أطردهم الليلة؟
ـ ماذا تقول يا ضاري؟! لا تنس أنهم في حمايتي ورعايتي، ورجالهم أصبحوا رجالي، وسيحلون بيننا، وليس بعيداً عنا كما هو الآن.. كل ما أريده منكما ألا تغضباني، وأن تحسنا معاملة نوار وأهلها.
تنهد ضاري وقال بحرقة وألم شديدين:
ـ إذاً هذا هو قرارك الأخير يا أبي؟
ـ نعم "عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.."
ـ كما تريد يا أبي.
ـ اتركاني الآن، فأنا بحاجة إلى الراحة.
اسودت الدنيا في عيني ضاري.. الأمل تلاشى كسراب.. حتى البلقاء آلمها فعل الشيخ وقراره، فاحتجت عليه بطريقتها الخاصة وتمتم: أما أنا فكيف أحتج؟ وماذا أفعل؟
كان ضاري يسير مع أخته بعيداً عن والدهما.. أمسكت ريمة يد أخيها قائلة:
ـ ماذا ستفعل يا ضاري؟ هل سنرضخ للأمر الواقع؟ لا بد من فعل شيء يمنع تحقيق حلم نوار.
ـ وماذا تريدين أن أفعل؟ وقد سمعت أبي يطلب منا عدم إغضابه؟
ـ يا ضاري يجب أن تنتهي هذه المهزلة بأي ثمن.. إن زواج أبي من نوار يسيء إلينا وإلى القبيلة بأسرها.
ـ قلت لك يا أختاه لن أغضب أبي.
ـ اذهب إلى الشيخ مناور.. هدده، أو أمسك نوار عند الغدير، واقتلها، أو أحرق خيمتهم بمن فيها قبيل الفجر وخلّصنا من شرورهم وآثامهم.
ـ يا أختاه لست عاجزاً عن فعل ما ترغبين، وأنا أعرف أن أبي لن يستطيع إرواء شبق امرأة مجنونة كنوار، ولن يستطيع كل شيوخ القبائل أن يعيشوا مراهقتها ومجونها.. لكنني لن أغضب أبي.
ـ يا ضاري إن تركت نوار حيّة فستنتقم منك ومني، وستدمر أبي.. إن انتقام الأنثى يدمّر قبيلة بأكملها.
ـ لا تخافي يا أختاه، فأنا سأكون بالمرصاد، ولن أرحمها وقتذاك، وسأرد كيدها إلى نحرها..
ـ سنرى يا ضاري.. سنرى..
الليالي السبع كوابيس مرهقة تنيخ بكلكلها على ضاري وريمة، كلما جلسا في مكان كانا يسمعان أنيناً يمزق القلوب والأكباد.. انتفض ضاري، فضحكت ريمة..
ـ لم تضحكين؟! ألم تسمعي؟
ـ اسمع جيداً.. إنها الخلوج تبحث عن وليدها الذي ذبحه جزاع ذات يوم.. إنها تبحث عنه في كل مكان..
ـ هي تبحث عن وليدها، ونحن سنبحث عن أبينا بعد أيام، فلا نجده.. سيكون أنيننا أقوى من أنينها يا أختاه..
صمت ضاري واعتصر صدغيه بقوة، وأخذ ينشج بصمت.. فزعت ريمة، وتمتمت بصوت متقطع: ما بك يا أخي؟ رفع رأسه بتثاقل قائلاً:
الخاطر معكّر وماني مرتاح
والناس ترقص على رنات وأنغام
جني بماتم والحولي فراح
نسل السقايط كيف ينام
عايش بضيجي والطبع رحراح
واطلعت من طوري وعضيت الإبهام
أشكي لربي والصبر مفتاح
لحين تضحي النوايا والهم ينقام
ـ لكنك أنت السبب يا أخي، والآن ماذا تريد أن تفعل؟
ـ لا شيء يا أختاه، سأطلب من جزاع أن ينصب خيمتنا عند هذه الأكمة، وأرى أن تقيمي عند العمة حليمة.
ـ العنود عندها يا أخي، وأفضّل البقاء إلى جانبك.
ـ ريمة.. أريد أن أسألك سؤالاً، وتجيبي عنه بصراحة.
ـ والله ما تعودت أن أكتم سراً عنك يا أخي، فسل ما شئت.
ـ ما رأيك أن نعيد المياه إلى مجاريها؟
ـ ماذا تقصد يا أخي؟
ـ ابن خالك فهيد، فأبوه الشيخ مشعان شيخ قبيلة (المرادّة) سمعت أنه سيأتي ثانية من أجلك.
ـ ابن خالي فهيد شاب طائش وشرير، وقد سمعت عنه العجائب، لا أحب رؤيته، ولا أتمنى أن يكون زوجاً لي.
ـ لكن أباه هذه المرة سيغضب إذا لم توافقي، وربما يؤدي غضبه إلى إزعاجنا، أو التحالف ضدنا.. أرجو أن تفكري بالأمر جيداً.
ـ لا تخف يا أخي، سأعرف كيف أرد على طلبه.
سمع ضاري صياح جزاع، فهبّ واقفاً، وهاله ما رأى.. كانت الخلوج تجر جزاعاً إلى الأرض، وتطؤه بمناسمها..
صاح بها ضاري، فلم تأبه له، فأطلق عليها بضع رصاصات أردتها قتيلة..
ذعرت ريمة من هول ما حدث، وتجمّع الرجال والنسوة، وانتشلوا جزاعاً من بين قوائمها، فجرّه ضاري بقوة قائلاً:
ـ ماذا جاء بك إلى هنا؟
ـ كنت أفتش عنك.. لكن الخلوج قاتلها الله كانت تتبعني أينما اتجهت.. إنها تأتيني والله حتى في أحلامي.
ضحكت ريمة قائلة:
ـ حمداً لله على سلامتك.. أرأيت يا جزاع وفاء الخلوج؟ إنها منذ ذبحت وليدها وهي تتربص بك.
رد جزاع لاهثاً:
ـ لقد صدقت والله لم أكن أدري أنها كذلك.
قال شيخ من الحاضرين:
ـ اسمع يا ولدي.. لقد رأيت بأم عيني خلوجاً لم تعرف من ذبح فصيلها.. كانت تشم الأرض طوال يومها إلى أن وجدت دماءه التي لم تجف، فبركت عليها، وأخذت تئن أنيناً يفتت الصخر إلى أن ماتت.. لم يقل لي أحد هذا.. لقد رأيته بعيني هاتين، وأشار الشيخ بإصبعين راجفتين إلى عينيه الغائرتين الدامعتين، وسار، وهو يتمتم ولله في خلقه شؤون..
قال ضاري:
ـ لم تقل لي يا جزاع لمَ تفتش عني؟
ـ الشيخ حجلان يريدك على الفور.
ـ ألا تعرف السبب؟
ـ لا ولكني رأيت عنده الشيخ مناور.
ـ اذهب إليهما وقل لأبي سأحضر في الحال.
هرول جزاع، وكان بين الفينة والفينة يلتفت وراءه مذعوراً، وكأن شبح الخلوج يطارده.
قالت ريمة لأخيها:
ـ ترى ماذا يريد منك أبي؟
ـ لست أردي، ولكن وجود مناور يثير قلقي.
ـ اذهب يا أخي.. وإن تحدث ذلك اللئيم بكلمة تسيء إليك ردّ له الصاع صاعين..
ـ يا ريمة بوجود أبي لا يمكن أن أخرج عن المألوف. ابقي هنا وسأعود إليك بعد قليل.
كان الشيخ مناور يتحدث إلى الشيخ حجلان، والشيخ حجلان يضحك ملء فيه..
هذا ما رآه وسمعه ضاري عن بعد، وعندما وصل إليهما اصطنعا الوقار.. ألقى التحية، وهو بعيد عنهما، فقال له أبوه:
ـ أما تصافح عمك الشيخ مناور؟
ـ يعذرني الشيخ مناور لأن يدي ملوثة بدماء الخلوج.
ـ إذاً أنت من قتل الخلوج؟
ـ لو لم أقتلها لقتلت جزاعاً.
ـ بارك الله فيك يا ولدي اجلس بجانبي..
ـ اعذرني يا أبي، فإن بعض الفرسان بانتظاري لأمر هام، وقد وعدتهم منذ الصباح أن ألتقيهم عند الشيخ سطام.
ـ وماذا يريدون منك؟
ـ إنهم يريدون مني أن أسمح لهم بتأديب عدد من لصوص قبيلة الشيخ مناور.
ـ لكن الشيخ مناور قد جاء إلى هنا طالباً العفو عنهم، وكما تعلم أن أبا نوار لا يُردّ له طلب، وأنا أتحمل كل ما سرق من حلال الشيخ سطام؟
ـ القرار قرارك يا أبي، وأتمنى أن يجلب الرضا للشيخ سطام.
ـ لا عليك يا ولدي، أنا أرضي الشيخ سطام، والآن عمك الشيخ مناور اقترح علي دعوة عدد من الشيوخ إلى هنا لحضور العرس، فما رأيك؟
ـ أرى أن يتم الأمر بدونهم، وأنت تعرف السبب.
تجهم وجه الشيخ مناور، وقال بعصبية:
ـ ماذا تقصد يا ضاري؟ أوضح لي كلامك..
ـ وأنت تعرف السبب أيضاً يا مناور لا داعي لأن نرجع إلى الماضي.
هاج الشيخ مناور، ووقف منتفضاً، قائلاً للشيخ حجلان:
ـ أسمعت يا شيخ حجلان ما قاله ضاري؟
وقف الشيخ حجلان، واقترب من ضاري، وعلائم الغضب مرتسمة على محياه، وقال:
ـ ماذا كنت تقصد من كلامك هذا يا ضاري؟
ـ أقصد يا أبي بأن كل العرب قد علمت بالخبر الذي نشره رجال مناور، فالذي يحبك ويحب مناور سيأتي بلا ريب، ولا أعتقد من الحكمة بمكان أن أرسل فرساني كي يزفوا هذه البشرى ثانية.
سكن غضب الشيخ مناور قليلاً، لكنه كان يدرك دخائل ضاري، وما يرمي إليه، فأضمر له كل ما قاله، وقال للشيخ حجلان:
ـ أرى أن تأخذ برأي ضاري، وأرجو أن تسمح لي بالذهاب إلى أهلي.
تشبث الشيخ حجلان بالشيخ مناور، لكن الأخير أبى، فودعه ضاري قائلاً:
ـ أرجو يا أبا نوار أن تبلغ تحياتي إلى (هواش)
لكز الشيخ مناور جواده، وهو يفكر بما قاله ضاري في البداية والنهاية، وما علاقة هواش بالأمر؟ وهل الذي يقصده ذلك الشاعر الذي يلهب كل دبكة يحضرها؟ ولمَ أسلم عليه؟ سأعرف آجلاً أم عاجلاً سرّ هواش، وسأرد لك يا ضاري كيدك في نحرك.. فأنا الشيخ مناور.. البادية تعرف دهائي، وقوة حيلتي.. صحيح لم يحالفني الحظ في المرات السابقة، لكنه الآن بيدي، ولن أدعه يفلت مني هذه المرة، وسأجعلك مثلاً وعبرة.. أمهلني يا ضاري.. غداً العرس، وسأطلق الرصاصة الأولى إيذاناً ببدء هزيمتك.
كان الشيخ مناور في حالة يرثى لها من الهم والتفكير.. كلمات ضاري ترن في أذنيه، وقد حجبت عنه رؤية زوجه وابنته، وتساؤلهما عما يشغله.. صاحت به شيحة بغضب:
ـ ماذا دهاك يا رجل؟ ألم تذهب إلى الشيخ حجلان؟
حدق في عينيها طويلاً، ورشق ابنته بسهام عينيه المتقدتين قائلاً:
ـ ما علاقتكما الحميمة بهواش؟
ارتجفت نوار، وقالت بعد لأي بعدما مطّت شفتيها القرمزيتين:
ـ بدأت المعركة إذاً..
تقدمت شيحة من زوجها قائلة:
ـ أهذا جزاء من يخدمنا ليل نهار؟ أهذا كل ما عند ضاري من اتهامات باطلة؟ اسمع يا رجل: هواش أنت تعرفه، بل أنت الذي جلبته معك.. قلبه لا يعرف الحزن أبداً.. إنه ينثر الفرح في كل مكان، ولا يمكن أن يسيء إلينا، وسيظل بيننا ما دام ضاري حياً، فلا تأخذ بك الوساوس مأخذاً.
ـ أنا يا امرأة لم أفكر بما تعنينه أبداً.. لكن ضارياً عندما قال لي (سلم على هواش) أمام أبيه والآخرين اعتقدت أنه قد اكتشف سراً خطيراً قد أودعته أنت وابنتك إياه..
ـ لا تخف يا أبا نوار.. لم يحدث مثل هذا قطّ.
ـ إذاً ماذا كان يقصد؟
ـ كان يقصد إهانتنا بأننا من مستوى وضيع.
ـ هكذا إذاً؟! الأيام بيننا يابن حجلان..
ـ وهل قلت للشيخ حجلان ما اتفقنا عليه؟
ـ لقد أفسد ضاري كل مخططاتنا يا شيحة.
ـ كيف؟ ولمَ لمْ تتشبث برأيك؟
صاحت نوار غاضبة:
لا يا أمي.. لا تقلقي، فأنا أيضاً لست مع رأيكما بدعوة شيوخ القبائل إلى العرس منذ البداية. إنني أريده أن يصغر في عيونهم جميعاً، وسيحتقرونه لأنه لم يوجه الدعوة إليهم، وهذا ما يسعدني، ويسهّل لي ولكم ما عزمنا عليه.
غداً العرس، وسيعزف هواش كل ألحان العتابا والعشق البدوي، وسأغيظ ضارياً، ولن أدع النوم يتسلل إلى عينيه.. ***
big love
06 - 08 - 2009, 02:54 PM
(5)
نحرت الخراف، وزغرد الرصاص طويلاً، وتشابكت الأيدي في حلقة الدبكة بحميمية لا مثيل لها.. تماوجت الصدور، وارتجفت بنشوة عارمة..
المزمار يعزف بصخب كل ألحان العشق البدوي، وشدو الحسان يتحدى عنفوان الشباب وحكمة الشيوخ..
هلا هلا بك يا هلا
لا يا حليفي يا وله
ضميني تا يزول البرد
والضمه رفيجة غلا
هلا هلا بك يا هلا
يالريجج زلال النبع
وملقاج يغني عن الشبع
يا حلم روحي نجتمع
وسبع المثاني مرتلا
هلا هلا بك يا هلا
بالظلمة إنتي فانوسي
ولا أمل من شوفج وجلوسي
ردتج لعمري عاروسي
بقربج حياتي مدللـه
هلا هلا بك يا هلا
حجلان يا شيخ الشيوخ
يا خوفي بالدنيا تدوخ
كلفه على الشامخ ينوخ
منهو نجا ومنهو ابتلا
هلا هلا بك يا هلا
(الدّحة) يقود زمامها (هواش) و(الحاشي) يرقص بالسيف.
غبار الدبكة يتعالى، وأصوات الفرح تعلو فوق كل صوت..
سعادة الشيخ لا توصف.. كان يرى في قرارة نفسه أنه امتلك جوهرة فريدة، وكان يرى كل شيء من خلال عيني نوار التي ترف له بها من آونة لأخرى.. اختفى الشيب، وفرَّ الوقار، وعيون الشيوخ ما تنفك تحملق كل هنيهة في الصدور والأعجاز، والهمس في الأذان يتحول إلى لغط وتأوهات وأمنيات..
عينا نوار تجوسان المكان بعمق وروية، تبحثان عن ظل لطالما تمنت أن تتفيأ فيه دون جدوى.. همست في أذن الشيخ تسأل عنه، فهمس في أذنها ألا تذكر اسمه الآن، قالت: وأين سينام؟ فأشار إلى أكمة ليست بعيدة، فهزت رأسها.. كان الشيخ حجلان رغم سعادته يفكر بولده، فيطول شروده في بعض الأحايين، ويعود إلى الواقع بلكزة من نوار التي كانت تراقبه وتعرف دخيلة نفسه، تسأل عنه، ثم تقول له:
-لا تخف عليه.. انظر.. كل العيون ترنو إليك.. هيا ابتسم، وسننزل بعد قليل إلى الدبكة معاً.
ابتسم الشيخ حجلان، وردّ بتكلف على تحيات الحاضرين..
أشارت نوار برفة من عينها إلى هواش، فوقف أمام الشيخ حجلان يعزف ألحانه الصاخبة، وجرَّه من يده، فنزل الشيخ ونوار تشبك يده بقوة إلى حلقة الدبكة..
لم يصمت المزمار إلا بعد الغروب، واستمر الهمس حتى الهزيع الأخير من الليل.. دفن الشيخ حجلان كل سنين الحرمان بعد أن احتضن بكل اللهفة فاتنة تجيد فن القنص والعشق..
تلاشت غيوم الكآبة كومضة برق في أول قبلة غرسها على شفتي نوار.. كان رضابها بلسماً لكل جراحاته، وكانت تأوهاتها وتنهداتها وكل صدى الكلمات فن فرضه الحقد والانتقام، فلطالما تمنت أن تنام على ساعد فارس القبيلة ضاري في الحلال أو الحرام، لكنه أبى، واستعصم، فكان إباؤه جرحاً في قلبها لمّا يندمل بعد.... قالت له بغنج ودلال:
-أتحبني كثيراً؟
فأجابها، وقد أسكره عطرها وذوّبته تأوهاتها:
-أحبك يا نوار حباً ملك عقلي وكل حواسي..
-أكثر من حبك لولديك؟
-حبك يا نوار عبادة، وحبهما سعادة..
أدركت نوار حينذاك أنها لن تستطيع أن تحتل كل قلبه، فهمست في سرها: بيني وبينكم الأيام..
نام كل من في الخيام المتناثرة وما حولها، فلم تعد تسمع لا نباح ولا ثغاء ولا رغاء.. الليل خيّم بعباءته السوداء، وثمة نجوم تختزنها بعض الغيوم، فتفلت من عقالها تارة لتتلقفها غيوم أخرى، وكان ضاري وحيداً يراقب لعبة الغيوم والنجوم، فتمتم بتنهد:
هي سنة الحياة، وإرادة القدر.. اللهم لا نسألك رد القضاء، بل اللطف فيه.
شعر ضاري أن يداً تلامس كتفه، فتلفت ذاهلاً..
لقد كانت أخته ريمة.. نظرت إليه بتوسل قائلة:
-قم يا أخي إلى فراشك.. أرجوك.
لبى ضاري نداء أخته وتوسلها، فسار يجر جسداً منهكاً ورأساً متصدعاً.. استلقى على فراشه لكنه لم يستطع النوم.. أنين خافت يتسلل إلى مسامعها، وتمتمات لم تفهم معناها تقذفها شفتاه من آونة لأخرى.. رفعت رأسها قائلة.
-ما بك يا أخي؟
فرد متثاقلاً: إنه أمر الله شئنا أم أبينا.
-أنت السبب يا ضاري. كان عليك أن تقتلها، أو تتخلص منها بأية وسيلة، ستجلب علينا العار والدمار.
-سيقتلها الله يا ريمة..
-لكن أبي سيكون في محنة بعد أيام وسترى.
-لا تخافي عليه طوال وجودي إلى جانبه.
-أنت لا تعرف مكائد النساء يا ضاري.
-لنصبر قليلاً يا أختاه.
كان ضاري على حذر شديد من كل أساليب نوار. لم يقرب الخيمة الكبيرة منذ ليلة عرسها، وهذا ما أقلقها، وزاد في حنقها. رأته يوماً في خيمته وحيداً، وكانت ريمة عند عمتها حليمة، فتسللت إليه متمايلة:
-ضاري.. لم لا أراك؟
-أنت تعرفين السبب يا نوار، ويعز علي نومك في فراش أبي.. أنت لا تستحقين إلا القذر هواش.
-أنت تظلمني يا ضاري، وتهينني.
-نوار... اسمعي ما أقوله.. أنا أعرفك جيداً.. صحيح أنني كنت مفتوناً بك يوماً ما، لكنني عندما رأيتك أكثر من مرة في أحضان الآخرين احتقرتك..
-لكنني كنت أقصد إغاظتك.. ليس إلا.. وأقسم على ذلك.
-كفى.. وقتذاك كنت أنظر إليك كحشرة حقيرة لا تستحق العيش.. كنت قادراً على إنهاء حياتك، ووجودك أنت وأهلك، وتعرفين جيداً إنني أستطيع فعل ذلك، ولكن تركتك لتموتي غيظاً.
-أقسم لك إنني كنت أحبك ولا أتمنى غيرك.
-كل ما أريده منك الآن أن تخرجي من هنا، ولا تعودي أبداً.. لا أريد أن أرى وجهك الكريه.. هيا اخرجي..
-أتطردني يا ضاري؟!
-لو كان الأمر بيدي الآن لطردتك من القبيلة كلها.
-ستندم يا ضاري، وسنرى من الذي سيُطرد، سنرى..
-قلت لك اخرجي، ولا تعودي أبداً، وأقسم إن رأيتك ثانية لن أرحمك مهما كانت النتائج.
***
(6)
ليل الحزانى طويل، وليل الحاقدين أطول.. الفراش قتاد، والدثار كابوس، وكل نجوم السماء عيون ترقب اللحظة والسكنة والنأمة.. كلها تقول هيا يا نوار.. هيا.. النوم يجفو العيون، والدموع تملأ المآقي، والوساوس والهواجس تحفر في الذاكرة أنفاقاً ومتاهات يصعب الغوص في أعماقها أو التسلل إلى فيافيها..
أخذت نوار تعد النجوم، وترقب اختفاء القمر، فالغيوم داكنة لكنها غير ماطرة.. تمتمت بوهن: لم يركع ضاري، ولن يركع، وفوق هذا وذاك ما زالت سطوته كبيرة، ونفوذه واسعاً، والكل يجب أن يسمع كلمته.. حتى الشيخ حجلان عندما يباغت بأمر ما كان يقول: اذهبوا إلى ضاري، فهل أبوح بسري إلى الشيخ؟ لا.. لا.. لن أجني سوى الخيبة.. علي أن أستخدم السلاح الأمضى، فالمرأة بيدها ألف سلاح، ولا يمكن للرجل مهما كان شأنه في القبيلة أن يفلت من سلاح المرأة. الويل لك يا ضاري مما أفكر فيه. لن أنسى إهانتك، وسأجبرك على الركوع والاستسلام، وقتذاك سأرفسك بقدمي هكذا..
ما إن ضربت نوار قدمها في جوف الدثار حتى رفع الشيخ حجلان رأسه مذعوراً..
-نوار.. ما بك؟ لمَ تبكين؟ ماذا حدث؟
-لا شيء.. لا شيء
-كيف وأنا أرى دموعك، واصفرار وجهك؟! أخبريني يا نوار ماذا يضايقك؟
-لقد تذكرت أهلي.. هذا كل ما في الأمر.
-هكذا إذن.. ارحتني والله.. اسمعي:
غداً إن شاء الله ستكونين عندهم، وستمضين ليلتين بينهم إلى حين عودتي، وسآمر بعدها أن تنقل كل خيام قبيلتكم لتستقر بيننا.. ألم نصبح قبيلة واحدة يا نوار؟
-بلى.. لكن إلى أين سترحل غداً.
-إلى مضارب الشيخ متعب شيخ قبيلة المفاليح.. لأعزيه بوفاة ولده صقر.. ثلاثة أيام لا أكثر، وسأعود إليك..
-لا. لا.. أفضّل الذهاب إلى أهلي حين عودتك لنمكث معاً هناك بضعة أيام..
-كما تشائين، وسيكون ضاري وريمة وكل من في القبيلة بخدمتك.
نهضت نوار من فراشها فرحة، فغسلت وجهها، وتطيبت، واحتضنت الشيخ بلهفة.
ثلاثة أيام لن يكون الشيخ حجلان في القبيلة.. ستركع يا ضاري، وستذل أمام الآخرين.. هذا ما همست به في سرها..
أخذت نوار تستعجل الصباح، وتستحث القمر والنجوم على الاختفاء. صحيح أنها منذ أن تزوجت الشيخ لم يعد لها في ضاري أي مأرب، لكنها أرادته إلى جانبها لتأنس به، ويساعدها في تحقيق ما تصبو إليه، ولكنه خذلها وأهانها فلا بد من الانتقام منه.
نوم الشيخ حجلان السريع يبعث في نفسها السأم، وشخيره الرتيب يدفعها إلى القرف.. شيخ تجاوز الخامسة والستين من العمر، وهي ابنة العشرين ربيعاً.. صحيح أنه لا يملك حيوية الشباب، ودفق مشاعرهم، وفيض أحاسيسهم، لكنه يملك المال والحلال والجاه، وأهلها بأمس الحاجة إلى ذلك.
لقد رضيت به زوجاً لأن الشيوخ لا ترفض طلباتهم، بل هو شرف تتسابق الفتيات إليه، والأهم من ذلك كله رأت فيه جسراً يوصلها إلى مأربها الحقيقي، ألا وهو الانتقام من ضاري ومن ريمة إن أمكنها ذلك.
حب الانتقام طغى على تفكير نوار.. إنها تعد اللحظات لترى من أحال بهجة الدنيا لديها إلى سراب وخراب..
لن تترك وسيلة في هاتين الليلتين إلا وستنفث فيها سموماً لا برء منها.
قبل إشراقة الصباح كانت نوار جالسة تتأمل وجهها في المرآة، تنظر إلى عينيها الدامعتين.. إن قوس قزح يتراءى أمامها جلياً، ويتراءى لها معه سراب وندى وأطياف مهزومة.. عيناها الدعجاوان ما زالتا تهميان..
-أتبكين على فراقي يا نوار؟! قلت لك لن أغيب عنك سوى ليلتين.
-أتمنى يا شيخ ألا تزيد عليهما ساعة واحدة.
-لا. لا أبداً لا تجزعي، ولولا أن الشيخ متعباً صديق قديم لي، وحليف للقبيلة لما ذهبت والله.
-اذهب يا شيخ، ولا تتأخر.
-سأرى إن كان جزاع قد هيأ لي البلقاء.
-ها هو قادم إليك.
كان جزاع كعادته يردد في مشيته أبياتاً من الشعر.
-إنه ما زال يتغزل بالعنود قاتله الله.
-ومن هي العنود يا شيخ؟
-فتاة يتيمة أحبتها ريمة، فضمتها إليها لخدمتها.
-لكنني لم أرها؟!
-سترينها وستعجبك.. إنها الآن مع أختي حليمة في سفرها إلى الدير، وربما تعود الليلة.
جاء جزاع ومعه القهوة المرة، وقد بدا سعيداً..
-أراك سعيداً يا جزاع؟
-أجل يا عماه.. كيف لا أكون سعيداً، والعنود ستأتي اليوم.
-ومن أخبرك بقدومها اليوم؟
-قلبي يا عماه.. قلبي لا يكذب علي أبداً.
ضحك الشيخ حجلان طويلاً، واحتسى قهوته على عجل، قائلاً:
-أرسل لي ضارياً وريمة في الحال، وهيئ لي البلقاء.
-في الحال يا عماه.
وقف ضاري وريمة أمام أبيهما، وقبلا يده، فقال لهما: ضاري.. ريمة.. سأغيب عنكما ليلتين أكون فيهما مع وجوه القبيلة في مضارب الشيخ متعب.
-لمَ يا أبي؟
-قبيلة المفاليح يا ولدي كلها حزينة على وفاة صقر بن الشيخ متعب رحمه الله.
-متى توفي صقر؟
-البارحة مساءً يا ولدي، وفي الظهيرة سيُدفن، ومن واجبي أن أكون إلى جانب الشيخ متعب.
-ألا تحب أن أرافقك؟
-لا يا ولدي، أريدك أن تتولى شؤون القبيلة طيلة غيابي، وأنت يا ريمة، اجلسي مع نوار، ولا تتركيها.
-أمرك مطاع يا والدي.
-الآن أستودعكم الله.
***
big love
06 - 08 - 2009, 02:57 PM
(7)
ليلتان نجومهما حجارة، وقمرهما فوهة بركان..
عواء الذئاب يقض المضاجع، والعتمة تتماوج بالأنين.. دمع ثاقب ينهلّ من وله المجاهل ينتضي أسى ولوعة، والرياح تبدو جياداً، ثم ترحل كالحلم في الاحتمال، والطبيعة احتضار لا اخضرار..
ويح ما يجتاح أعماقي.. كم جلدت متون الربا، واجتمعت عند الغدير، والكلمات الراجفة التي تلوكها الألسن مذاقها ممجوج، والقلب يكتوي بزفرات حرى..
النسمات تسكب الحزن المعتق في سهاد الأجفان المتعبة، تناشدها السكون، فالعذاب يقذف للشقاء رحيلاً سرياً إلى زحام الغربة، والرجال هوام تعبر الحياة متكدسة في انطفاءات الروح.. وثمة سؤال يلح في الأعماق مبحوح الرجاء..
هذا الوجه الموؤود في قعر غرائزي وظلام ذاكرتي هل سيعود؟ أيها الليل.. برغم الأسى لن تنجلي قبل أن تحتضن مواجدي وظنوني، فبيني وبينك أمواج دم وحرائق، ولقد أطلقت العنان لهواجس الضمير ومراكب الأمل، فدعها ترتحل خلف حدود الوهم لتستكشف أرضاً لا يباس فيها ولا غبار.. دع ظنوني أسواطاً تلهب جسد التحدي، وتحفر فيه أنفاق الخنوع..
أيها الليل.. لا ترحل قبل أن أغرس في طيف الشموخ أظفاري، وأمزق كل أردية التعالي، فإن لم أظفر ببغيتي فأمهلني ليالي أخر..
ليلتان من أقسى ليالي العمر مرتا على نوار..
كان الانتقام يستيقظ كالبركان بداخلها، ويتفجر دمعاً وحزناً وانصهاراً.. كل آونة كانت تواجه سخرية واستهزاءً وازدراءً واحتقاراً.. لم تفلح كل وسائلها وأساليبها في تحقيق مأرب من مآربها، وكان جزاع يخفف عنها تارة بالشعر، وتارة أخرى بنوادره التافهة.. قالت له:
-أتعرف العنود جيداً يا جزاع؟
-لا أعرف غيرها يا عمتي..
-من هم أهلها؟
-أبوها رجل فقير لا حظ له، رحل وحيداً من القبيلة بعد أن أقسم ألا يعود إلا شيخاً يشار إليه بالبنان، وقد مضى على رحيله أكثر من عشرين عاماً ولم يعد، وأمها رحمها الله كانت طيبة ذرفت على فراق زوجها دموعاً سخية سخينة، فضمها الشيخ حجلان لخدمة زوجته وولديه، لذلك كانت العنود غالية على ريمة وضاري وعلى الشيخ حجلان أيضاً.
-هل تظن أن أباها مات فعلاً؟
-لا أعتقد لأنه كان طبيباً عربياً يداوي بالأعشاب، وكان ماهراً وحلو اللسان، ربما قذفته الأيام إلى ديار بعيدة.
-أتحبها كثيراً يا جزاع؟
-هي كل حياتي، وقد وعدتني ريمة بالزواج منها.
-اسمع يا جزاع.. لا أحد في القبيلة يستطيع أن يزوجك العنود غيري، وستكون لك بعد أيام إن أخلصت لي ونفذت كل ما أطلبه منك.
-أنا يا عمتي؟! هذه رقبتي أمامك. اطلبي ما شئت، وستجدين جزاعاً دائماً في خدمتك..
-بارك الله فيك.. لقد اتفقنا، وإياك إياك أن تبوح لأحد بما سأطلبه منك..
-وكيف أبوح بالسر؟! ولمن؟!
-أريد منك عند اشتداد الظلام أن تذهب إلى هواش، وقل له: عمتي نوار تريد رؤيتك في الحال.
-في الحال يا عمتي.
-لا. ليس الآن.. قلت لك عند تكاثف الظلمة.
-حاضر يا عمتي.
-اذهب الآن، وقل لريمة إن نواراً راغبة بالنوم، ولا تريد أحداً أن يزعجها، لتبق عند أخيها ترعى شؤونه.
-حاضر يا عمتي.
-اذهب، ولا تعد إلا بعد أن تنفذ ما أمرتك به، هيا..
-حاضر يا عمتي.
هرول جزاع حتى اختفى عن أنظار نوار والآخرين، ثم رجع إلى خيمة ضاري، وصاح بأعلى صوت: ضاري.. ريمة.. طلب منه ضاري الدخول، فدخل جزاع مرتعشاً..
-ما بك يا جزاع؟
-أين ريمة؟
-ها هي قادمة.. لمَ تطلبها؟
-إن الأفعى تقول: أريد أن أنام، ولا أريد لأحد أن يزعجني، طالبة من ريمة البقاء عندك.
-ومن قال لها أن ريمة ستذهب إليها؟
دخلت ريمة إلى الخيمة، وقد سمعت ما قاله جزاع، فأجابت على الفور:
-لا يا ضاري سأذهب إليها، لا أريدها أن تنام إلا على فراش من قتاد.
أجابها ضاري غاضباً:
-أختاه.. إن ذهبت إليها، فسأغضب منك والله.
-يا ضاري يجب أن أتخلص منها.. إنها أفعى كما يسميها جزاع.
-يا ريمة.. الأفعى إن لم تجد أحداً تقتله، فإنها تقتل نفسها.. اتركيها يا أختاه أرجوك.
قال جزاع متوسلاً:
-وأنا أرجوك أيضاً يا ريمة ألا تذهبي إليها.
-ولمَ يا جزاع؟!
-سأقول ولكن ليس قبل أن آخذ ميثاقاً منكما ألا تقولا لأحد ما أريد قوله الآن.
-قل يا جزاع، ولا تخف.
-نوار طلبت مني أن أستدعي لها (هواش).
-متى؟
-عند تكاثف الظلمة.
-بارك الله فيك أيها الرجل المخلص.
-أرجوكما أن تحمياني منها، فلو عرفت إني بحت بسرها لأنهت حياتي.. أرجوكما.
-قلت لك لا تخف. لن تعلم شيئاً وأريد منك الآن أن تنفذ ما طلبته منك، وأن تراقبها جيداً دون أن تراك.
-سأفعل.. سأفعل.
-والآن هيا..
رحل جزاع فجلس ضاري يعتصر صدغيه بقوة، فقالت له ريمة:
-وماذا تنوي فعله يا أخي؟ إنها ستجلب لنا العار والدمار. أرجوك يا أخي اقتلها، وأقسم إن لم تفعل، فسأقوم أنا بقتلها.
رفع ضاري رأسه بتثاقل قائلاً:
-يا ريمة.. نوار ليست غبية لتخون أبي هذه الليلة.. عقلي يحدثني أن لدى نوار خطة شريرة، وهذا ما كنت أفكر فيه.. علي أن أكشف آخر سهم تطلقه من كنانتها..
-ماذا تقول يا أخي؟!
-اسمعي جيداً.. أرجوك ألا تنفعلي، أو تثوري، فالأمر يتطلب حكمة ومكراً بآن واحد، الليلة ستنامين في خيمة عمتي.
-وأتركك وحدك؟!
-أرجوك لا تفسدي ما خططت له.
-وماذا خططت؟
-ستعلمين به فيما بعد. اذهبي الآن، واتركيني وحدي.
-لن أذهب، إني أخاف عليك يا أخي.
-لا تخافي علي يا ريمة.. ألست فارس القبيلة؟
-بلى والله.
-إذاً هيا، واتركي الأمر لي.
-سمعاً وطاعة يا أخي.
-إياك أن تبوحي بالأمر.
-لا يا أخي، فلست جاهلة.
-مع السلامة يا ريمة.
-سلمك الله يا أخي، وحماك.
كانت نوار قد حددت ساعة الصفر مع هواش لقتل ضاري وريمة، وحرق خيمتهما عند الفجر..، وكان ضاري يراقب بدقة خيمة أبيه، وكمن حتى الفجر عندما تسلل (هواش) وصاحبه (لافي) إلى خيمته، وكان الرد قاسياً من ضاري.. ضربة بعقب البندقية على رأس هواش أسقطته أرضاً، وتجمد لافي رعباً، ورفع يديه مستسلماً، فأدخلهما ضاري الخيمة، وأحكم وثاقهما، ووجه إليهما بندقيته، فصاح هواش متوسلاً:
-لقد أغرتنا بالمال والحلال.. إنها نوار زوجة أبيك.. صدقني يا ضاري، أرجوك لا تقتلنا.. سنعطيك كل ما أخذناه منها، واستر علينا، ولن نكون عليك بعد اليوم أبداً..
-أهذا جزاء من احتضنكما، وقدم لكما كل عون وحماية؟! لكنكما من الأنذال، وليس من حقكما أن تعيشا أبداً..
-أتوسل إليك يا ضاري لا تقتلنا.
-اسمعا جيداً: سأفرج عنكما بشرط.
رد هواش بلهفة: أنا ولافي مستعدان لكل شروطك يا ضاري.
-ردا كل مال وحلال الشيخ حجلان إليه عند عودته في الغد، وارحلا بعدها، فلا مكان لكما بيننا أبداً، وإذا لم تفعلا، فسأقتلكما شر قتلة.
-موافقان يا ضاري.. موافقان.
أما نوار فقد أفاقت مذعورة عندما لم تر خيمة ضاري وريمة محروقة، ولا شيء يدل على أن هواشاً قد نفذ وعده، فنادت جزاعاً بعصبية:
-جزاع.. جزاع.
-حاضر يا عمتي.
-اذهب، وتقص الأمر هل من حادث قد جرى البارحة في القبيلة؟
-في الحال يا عمتي.
ذهب جزاع، والغيظ يكاد يقتل نوارَ.. تروح وتجيء.. تحدث نفسها، والحقد ينهش جسدها.. ترى ماذا حدث؟ هل وجدا ضارياً وهربا؟ هل اكتشف أمرهما؟
قبل أن تجد نوار إجابة عن تساؤلاتها، كان ضاري واقفاً على باب الخيمة، يحمل سوطاً.. رباه.. إن عينيه تقدحان شرراً.
ارتجفت نوار، وانكمشت على نفسها، فاقترب ضاري منها، فقالت:
-أهلاً بك يا فارس القبيلة.. تفضل..
انهال ضاري على نوار بالسوط حتى أدماها، وصاح فيها بغضب:
-اسمعي أيتها المجرمة: عندما يأتي أبي، أطلب منك أن تلمي حوائجك، وترحلي عن القبيلة أنت وأهلك وإلا فالموت ينتظركم جميعاً.
-لن أرحل يا ضاري.. اقتلني إن شئت.
كاد ضاري يهوي بالسوط على جسدها لولا تدخل ريمة.. أمسكت يده قائلة:
-لا تلوث نفسك بهذه الحشرة الحقيرة.. دعها لي، فسأمزق جسدها، وأرميه للكلاب.
صاحت نوار بملء فيها مستغيثة: جزاع.. جزاع. أنقذني.
جاء جزاع مهرولاً، فرأى نوار تبكي، فوقف أمامها ليحول بينها وبين ريمة وضاري، صاح به ضاري قائلاً:
-ابتعد عن هذه المجرمة وإلا نالك عقابي.
-لا والله.. ليس مثلكما من يقتل امرأة.. اتركاها أرجوكما، أو اقتلاني.
-جزاع.. أنت تقول هذا؟
-اقتلاني إن شئتما، ولا تقتلا نوارً..
بصقت ريمة في وجه نوار قائلة:
-إن لم ترحلي اليوم، وتطلبي الطلاق من أبي، لن أرحمك والله.. هيا يا ضاري اترك الأفعى تقتل نفسها.
بكت نوار طويلاً، وتأملت وجهها وجسدها وثوبها الممزق، فزادت شقوقه، ونثرت شعرها، وجلست في ركن من الخيمة.
صهيل البلقاء يمزق السكون، وصوت الشيخ حجلان ينثر وعيداً وتهديداً.. اقترب الشيخ من نوار، فانكمشت على نفسها، وأخذت ترتجف.. وصاح غاضباً:
-من فعل بك هذا؟
-إنه ولدك ضاري..
-صاح الشيخ بجزاع:
-أين الكلب ضاري؟ ناده بسرعة..
وقف ضاري أمام أبيه شامخاً، فتلقى للمرة الأولى في حياته عدة صفعات متلاحقة.. صاحت ريمة وولولت:
-لا تضرب ضاري يا أبي.. اضربها هي: إنها خائنة ومجرمة.
اقترب الشيخ من ابنته، وكاد يمزقها لولا أن أمسك به ضاري قائلاً:
-هذه المجرمة لا تستحق الحياة.. عليك أن تطلقها، وتطردها وأهلها من القبيلة.
-ماذا تقول أيها الولد العاق؟
-أقول لك الحقيقة.
-وإذا لم أطردها، فماذا ستفعل؟
-سأرحل من القبيلة.
-اذهب إلى جهنم، فلست آسفاً عليك.
تصدت ريمة قائلة:
-إذا رحل ضاري، فلن أمكث بينكم لحظة واحدة.
-ارحلي معه إن شئت.. هيا.
-إذاً سنرحل يا أبي.
-ارحلا. لست بحاجة إليكما، والله لن أراكما بعد اليوم إلا في اللحد. هيا اذهبا من هنا، وسينالكما غضبي إن رأتكما عيناي.
سار ضاري برفقة ريمة، والدموع تملأ مآقيها.. أخذا من خيمتهما كل ما يحتاجانه لرحلة طويلة، وتمنطق ضاري بحزام محشو بالرصاص، وأردف بندقيته على كتفه، وركبا الأدهم وسط الذهول الذي لف رؤوس الفرسان..
قال أحدهم: ضاري.. إن شئت رحلنا معك.
تأمله ضاري جيداً.. إنه ساعده الأيمن (كاسر) فتبسم قائلاً: لا يا كاسر.. ابق مع الفرسان.. لن تطول غيبتي. لكز ضاري جواده، فهمست ريمة قائلة:
-إلى أين سنرحل يا أخي؟
-سنذهب أولاً إلى عمتي حليمة لنراها ونودعها.
كانت العمة حليمة تعاني من وطأة مرض عضال استعصى شفاؤه على كل أطباء القبيلة والقبائل المجاورة، وكانت رحلتها الأخيرة مع العنود إلى طبيب لا يعالج إلا بالكي.. عادت حليمة بعد أن هزل جسمها وتملكتها الرعشة.. النار أنهكت جسدها الرخو.. بقع حمراء وزرقاء تنفر دماً وصديداً لا ينقطعان، والعنود كل آونة تجفف لها حروقها، وتضع المراهم عليها بعناية.. تسهر ليلها، وتقوم نهارها بخدمتها..
كان فرحها كبيراً لرؤية ضاري وريمة.. احتضنت حليمة ابن أخيها، وقبلته قبلات لها دوي كخفق اليدين في العجين.. ما لبثت أن احتضنت ريمة، وقلبتها قبلات ممزوجة بالدموع.. لم يخبرها أحد بما جرى بين أخيها وولديه.. قالت لهما باكية:
-سأموت يا ولدي.. أوصيكما إن فاضت روحي أن تكون خيمتي، وكل ما أملك حلالاً للعنود.. أجل.. إنها تستحق أكثر من ذلك.
ردت العنود باكية:
-لا تقولي هذا يا عمتي.. ستعيشين إن شاء الله طويلاً وسأبقى ما حييت في خدمتك، ولا أريد شيئاً.
-لا يا بنيتي.. لك كل شيء، وسينفذ ضاري وصيتي. أليس كذلك يا ضاري؟
-أجل يا عمتي، ولا تقلقي ستكونين بخير إن شاء الله.
-الموت حق يا ولدي.. لقد عشنا عمرنا.. الخير والبركة فيكم، ولكن ما لي أراكما في هيئة، وكأنكما تنشدان السفر؟
-صحيح ما تقولين يا عمتي.
-وإلى أين إن شاء الله؟
-إلى مضارب خالي الشيخ مشعان.
-أوه.. يا ولدي. أين أنتما من مضارب (المرادة) إنهم على مسيرة ثلاثة أيام. هل الأمر مهم؟
-لقد اشتقنا إليه كثيراً.
-وهل استأذنتما أباكما؟
-إن أبي على علم بسفرنا، ولكنه لا يعلم أننا ذاهبان إلى خالنا، ولا نريده أن يعلم هذا الأمر يا عمتي.. أرجوك اكتمي الأمر.
-لكنه إن علم سيغضب، ولا أقوى على غضبه.
-سأسوي الأمر حينما أعود.
-هل أفهم من ذلك أن ريمة وافقت أخيراً على ابن خالها فهيد؟
-كله بأمر الله يا عمتي.
-ونعمَ بالله يا ولدي. اذهبا.. رافقتكما السلامة.
أمسكت ريمة يد العنود، ابتعدت بها قائلة:
-وصيتي أيتها الغالية أن تظلي بخدمة عمتي. ولا تطيعي نوار بأي أمر.. كما أوصيك أن تتزوجي جزاعاً فهو يحبك كثيراً.
همت الدموع من عيني العنود، وقد أدركت أن غيبة ريمة قد تطول، فتشبثت بها متوسلة ألا تسافر..
احتضنت ريمة غاليتها العنود، وهمست في أذنها:
-لن تطول غيبتي بإذن الله...
***
(8)
تنفست نوار الصعداء عند رحيل ضاري وريمة..
الحقد ما زال معششاً في قلبها وعقلها.. لا ترى إلا ظلاماً وثمة أشباح مخيفة.. الشرر يقدح من عيونها.. تردد من آونة لأخرى بعض الأسماء ومن بينها ضاري وريمة، فتجفل والهلع يتملكها.
انزوت في ركن من الخيمة، وصمت أذنيها بيديها.
هرع الشيخ حجلان إليها متودداً:
-لأجلك يا نوار تخليت عن ولديّ، ولأجلك سأفعل كل ما تأمرين به.
تحسست نوار آثار السياط فازدادت بكاءً.. قبّل الشيخ ساعدها، فتمتمت ناشجة:
-وماذا لو رأيت ظهري؟
-سأقبل كل مسامات وجهك وظهرك حتى تزول..
كفى يا نوار، وسأرسل لأبيك غداً خمسين رأساً من النعاج ليضمها إلى قطيعك، فما رأيك؟
ابتسمت نوار، واحتضنت الشيخ حجلان بحرارة، وقبّلت وجنتيه قائلة:
لأجلك فقط سأنسى كل آلامي وأحزاني، ولكن كل ما أريده منك الآن أن تأتي لي بأهلي وعشيرتي، وتضمهم إلى قبيلتك لأشعر بالأمان أكثر. أريد خيمة مثل خيمتنا هذه لأبي وأمي، وأريدها إلى جواري حتى آنس بهم وتزول وحشتي في غيابك.
-منذ الغد إن شاء الله سأفعل يا نوار، أريدك أن تكوني راضية.
-لن أرضى قبل أن أرى أبي وأمي إلى جانبي.
-قلت لك في الغد إن شاء الله سيكون أهلك إلى جانبك.. يوماً واحداً يا نوار..
-حسناً.. لقد غلبتني، ورضيت.
-شكراً لله.
-أسألك يا شيخ ما قصة العنود؟
-كان أبوها سيئ الحظ، ساخطاً على الدنيا ومن فيها، رغم أنه ذكي ماهر نشيط ومقاتل شرس لا يخشى الموت. قدمت له كل ما أرد، لكنه في النهاية قال لي: زوجتي وابنتي أمانة عندك، ورحل منذ عشرين عاماً، ولم يعد حتى اليوم.. منذ سنين نقلوا لي خبر وفاته، وجاءني خبر آخر أنه قد ضل طريقه فأكلته الوحوش، عرفوا ذلك من وشم على ساعده الذي لم يؤكل، وآخر قال لي أنه رآه في قبيلة تبعد عنا بضعة أيام وكثرت الروايات عنه ولا أعرف الحقيقة عنه حتى الآن.
أم العنود المسكينة من كثرة بكائها وحزنها فارقت الحياة، وبقيت العنود طفلة عاشت ونمت وترعرعت في بيتي مع أم ضاري وولديها.
-أريد منك أن تزوجها لجزاع.. إنه يستحقها، فلولاه لقتلني ضاري.. أنا مدينة له بحياتي..
-كما تشائين، لكن ليس الآن لأن أختي حليمة بحاجة ماسة إليها، وقد رفضت خدمة الكثيرات، ولا تريد سوى العنود. ماذا أفعل بها؟
-وأين يا ترى سيذهب ضاري وريمة؟
-معظم شيوخ القبائل يعرفونه جيداً، وربما يستقر عند خاله الشيخ مشعان.
-سامحهما الله.. كنت لطيفة معهما، فكانا قاسيين اتهماني بمحاولة قتلهما.. أأنا أقتلهما؟ ولماذا؟ ونشجت نوار كذباً.
-كفى يا نوار.. أنت صادقة وهما الكاذبان..
مرت الأيام ثقيلة تنذر بخطر وشيك.. الأمطار احتجبت، وعم الجفاف أرض قبيلة الصافي..
جف الضرع، ويبس الزرع، وتذكر الشيخ ولديه..
عقد اجتماع لوجوه القبيلة في خيمة الشيخ حجلان، وقرروا إرسال وفد إلى الشيخ متعب طلباً للعون، فأرضه في مسيل أخضر حتى في أيام القحط لكثرة ينابيعها..
قال الشيخ حجلان رافعاً يده إلى السماء:
رزق الفهايم والبهايم على الله
وحزمه من الوهاب تقضي المراجي
ربنا لطيف ما خاب من ناجاه
يبعث لنا مزون تفني العجاجي
قال الشيخ مناور:
-الله كريم يا شيخ حجلان لكن اسمح لي أن أذهب إلى الشيخ متعب، ولن يكون إلا الخير إن شاء الله.
هزّ الشيخ سطام رأسه، وقال للشيخ حجلان:
يا زارع الخير خير تلقاه
عند النشامى معذيين السلايل
والشين ذاك الما تحمد مطراه
يغزل الدكات وسود العمايل
محراث للشر والويلات والآه
ووجوه السو ما تصيد الحمايل
وقف الشيخ مناور غاضباً وقد شعر بالإهانة من قول الشيخ سطام، فأوما له الشيخ حجلان بالجلوس.
قال الشيخ ناهي:
صار الدخيل يدوّر التاج
ظل يتطاول على المد إله إيده
جنت الجريح وصار لك علاج
واليوم تراه يغزلـه مكيده
مخادع بوجهين شبه رغيف الصاج
ما هو غلا يعطيه الوحيده
يل جنت ظلمه وصار لك سراج
وانت بهاجس فتنه جديده
"شوف يا شيخ حجلان الله ما راح يرضى علينا إلا يعودوا ولادك علينا".
وقف الشيخ مناور ثانية والغضب ملأ كيانه، وصاح:
-أنت راض عما يقوله الشيخان؟
لم يجب الشيخ حجلان، فأمسك رأسه بكلتا يديه، في الوقت الذي انسحب الشيوخ من الاجتماع، وكان الشيخ مناور يهمس في أذنه:
-اعتمد على الله وعلي يا شيخنا..
رد الشيخ حجلان بتثاقل:
-اعتمدت على الله وعليك يا أبا نوار.
***
big love
06 - 08 - 2009, 03:00 PM
(9)
الرحيل إلى المجهول أصبح قدراً لا مفر منه.. الصحراء مفازة حدودها سراب خادع يبدد كل الأحلام..
السماء مثقلة بالغيوم السوداء، ولا مطر يروي ظمأ الرمال والحلال، والهواء يحمل في ثناياه حكايا التيه وزفرات المحرومين.. لا سابلة ولا سائمة ولا أنيس على مد البصر سوى وقع حوافر الجواد التي تدق بقوة أديم أرض بكر..
الأنين يفتق أوجاعاً ويطمس ذكريات، والهموم تقذف كل آونة زفرات حرى تلاحق السراب الممتد على مساحة الأفق، فتلهبها سياط الحقيقة بحصباء مفزعة تلسع الوجوه كل هنيهة..
قال ضاري بصوت حزين: ماذا تحملين معك يا ريمة؟
-الماء والزاد يا أخي..
-إن معنا ما هو أهم من الزاد والماء يا أختاه..
-ماذا تعني يا أخي؟
-معنا الله يا أختاه فلا تجزعي..
خمسة أيام بلياليها والمجهول ما زال مجهولاً، والسراب الخادع يكلل الأفق المتجهم، والطيور المهاجرة تنثر في كبد الفضاء حداء الفاجعة..
-ليتها تمطر يا أخي، فالماء يكاد ينفد..
-على مدى البصر يا ريمة أرى خيالات تتحرك..
كانت افتراءات السراب تداعب العيون، وتسخر من الظنون.. الأرض يباس وشقوقها تلفظ كل الحشرات.. لا مخابئ في زمن الجدب، ولا بقاء بل لهاث وزفرات..
صمتت ريمة، وتجرعت آخر قطرات الماء، وتمتمت بوهن:
-لقد نفد الماء يا أخي..
-سنصل قريباً إن شاء الله.
الموت يتجدد لبوسه كل هنيهة، والسراب يكفن الصحراء، وحوافر الجواد مطارق تنهال على كل مساحات الصمت الكئيب..
تشبثت ريمة بخاصرة أخيها عندما شعرت بدوار غريب..
-اصبري يا ريمة..
-لم أعد أقوى يا أخي.. توقف قليلاً.
ترجل ضاري واحتضن ريمة، وأجلسها على الأرض. كانت ترتجف دون برد. العرق يتصبب من وجهها.. اختلجت شفتاها، وتمتمت: اتركني هنا يا أخي، وانج بنفسك، وأوصيك يا ضاري:
أوصيك يا خوي اجهدك
لا تامن الدسّاس
لا تامنه إن اوعدك
حجيه بليّا ساس
لي شاف برقك وارعدك
يجيك محني الراس
وان شاف دهرك يرجدك
يجمع عليك الناس
أوصيك يا خوي اجهدك
بالك ربع جساس
كفكف ضاري دموعه التي انهمرت من عينيه بقوة، وتشبث برداء أخته قائلاً:
-اصبري يا أختاه.. اصبري أرجوك، ولا تقطعي الأمل.
هاي البراري تبي عناد
والصبر حلو عالصعايب
صرنا جياع لا مي ولا زاد
وفصول العمر محمل عجايب
الله كريم ودوم جواد
يروي ظمانا بضرع الحلايب
-ارحل يا أخي لا أريدك أن تموت.
صهيل الأدهم مزق حجب السكون.. ثمة أفعى تغازله بوقاحة، انقض عليها ضاري في عقب بندقيته، ودق عنقها. تأمل وجه أخته. كان ساكناً، فقال بهمس:
-ريمة.. أختاه.. كلميني..
تململت ريمة، وقالت بتثاقل: لمَ لم ترحل يا أخي؟
-تحاملي على نفسك أرجوك، لن يضيعنا الله صدقيني..
-سأحاول يا أخي..
كان الأدهم يخب، والغيوم راجفة تمد أذرعها كل هنيهة لتتلقف كل بشارة بالأمل..
-ريمة.. الفرج آت.. انظري
-لا أرى شيئاً يا أخي..
-رباه ما أكرمك.. ألم أقل لك إن الله معنا..
-حمداً لله.
لم تفزع الإبل من وقع حوافر الجواد، بل تلفتت ببلاهة تستقرئ سر المتاهة، وتجتر قتاد الأمس بقرف..
وقف ضاري أمام راع رث الثياب قد استلقى في ظلال ناقة عجفاء..
-السلام عليك أيها الراعي.
-وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته.. تفضلا..
ترجل ضاري، وساعد ريمة على النزول، فتهالكت لا تعي شيئاً.
وقف الراعي مرتجفاً، وقال:
-ماذا ألمَّ بها يا أخي؟
-لا شيء.. أعطني ماء..
-لا ماء عندي.. سأجلب لك حليباً.
-هيا بسرعة..
احتست ريمة حليب النوق بصعوبة، ففتحت عينيها، ونظرت بتثاقل قائلة:
-الحمد لله..
-اشربي أيضاً يا أختاه..
شربت ريمة المزيد، وجلست وقد أمسكت رأسها بكلتا يديها قائلة:
-يكاد رأسي ينفجر..
-لا تخافي يا أختاه.. ستكونين بخير إن شاء الله.
قال الراعي ذاهلاً:
-ماذا جاء بكما إلى هنا؟
-المقادير يا أخي.
-وإلى أين وجهتكما؟
-إلى قبيلة المرادة.
-إلى عرب الشيخ مشعان؟
-أجل.. أنت تعرفه؟
-لا.. ولكنه مشهور جداً بكرمه وسطوته.
-هل هو بعيد من هنا؟
-إنه بعيد.. مسيرة ثلاثة أيام أو أربعة..
-ما هو أقرب عرب علينا؟
-عرب المهاجر، وهذه إبلهم، وهم على مسيرة يوم واحد.
-إذا سأرحل إليهم في الحال.
-لن تستطيع والليل بدأ يخيم، أخشى عليكما الضباع، ولن تهتدي إلى الطريق، ومن ثم فالذئاب كثيرة هنا. أرقدا الليلة، وفي الصباح ارحلا إن شئتما.
نظر ضاري إلى وجه ريمة.. كانت نائمة. وضع فوقها غطاء كان معه على السرج، وتنحى جانباً يحدث الراعي.
-من هو شيخكم يا أخي؟
-شيخنا كان رجلاً عادياً وفد إلى القبيلة، يعالج بالأعشاب كل الأمراض المستعصية، وكان فارساً شجاعاً استطاع أن يشفي ابنة الشيخ ويتزوجها، ويقضي بدهاء على كل الفتن والمؤامرات التي ألمت بالقبيلة بعد وفاة شيخها، وينصب نفسه شيخاً على القبيلة بمباركة عدد من وجوه القوم.. إنه الشيخ (بديوي العبلان) ويكنى بأبي العنود.
-هل له ابنة اسمها العنود؟
-لا امرأته لم تنجب بعد، لكنه يحب أن يكنى بهذا الاسم.
صمت ضاري هنيهة وساءل نفسه:
-ترى أيكون هو؟ ربما..
-وأنت يا ضيف الرحمن.. ومن هو شيخكم؟
-الشيخ حجلان شيخ قبيلة الصافي.
-أهلاً وسهلاً بكما، وهل أرضكم أصابها الجفاف كأرضنا؟
-نعم يا أخي، والحالة يرثى لها. كان الله في عوننا جميعاً.
أخذ الراعي يحدث ضاري عن أبي العنود الذي حالفه الحظ وغدا مالكاً لخمسة قطعان من الإبل وعشرة قطعان من الشياه.. حدثه عن براعته بالطب، وعن فروسيته التي أذهلت شيوخ القبيلة وفرسانها، وكيف استطاع بعدد ضئيل من الفرسان أن يصد غزواً كبيراً.
كان الصباح مشرقاً لا يبشر بالمطر أبداً..
أعد الراعي قربة ملأها بحليب النوق، وربطها بإحكام قائلاً لضاري:
-ستنفعك كثيراً يا أخي.
-شكراً لك أيها الرجل الطيب..
كانت ريمة بكامل حيويتها ونشاطها.. تأملها ضاري، فدمعت عيناه..
احتضنت ريمة أخاها، وجففت دموعه بخديها:
-أتبكي يا أخي؟
-دموع الفرح يا أختاه..
قال الراعي:
-خذ ما تبقى لدي من خبز، فسيأتيني اليوم خبز..
-لا أعرف كيف أشكرك يا أخي؟
-لا تشكرني يا أخي بل اشكر الله واشكر أبا العنود.
-لي طلب عندك أيها الراعي أرجو أن تلبيه لي.
-ما هو؟
-أن تبادلني بالجواد ناقة تختارها أنت.
-والله يا أخي لا أملك من متاع الدنيا سوى هذه الخلوج فإن أردتها فهي لك.
تأمل ضاري ناقة أشار إليها الراعي بيده.. كانت منزوية منعزلة.. تتلفت يمنة ويسرة.. تداركه الراعي قائلاً:
-إنها تبحث عن فصيلها.
-وأين فصيلها؟
-لقد قتله الذئب بأيامه الأولى.
-لكني أراها خاملة لا عزم لها..
ضحك الراعي طويلاً، وقال:
-أما تعرف الخلوج وطباعها؟
-بلى.
-خذها ولن تندم، فهي عند الشدائد قوية، وأنشد:
ذلولي الرافقتني بالبوادي
شوصفها ومحاسنها بوادي
شديدة بالوعر ولاّ بوادي
مثل ذيبٍ تعوّد عالصعاب
خذها يا أخي، وستشكرني عليها كثيراً.
-الله يا أخي ما أجمل ما قلت، وأعلم بأنني سأجعلك تمتطي صهوة:
جواد يشبه الغزلان بالحال
سريع ويلحق المطرود بالحال
كريم وينجد الخيال بالحال
الأدهم لي نخيته بالصعاب
-كفى يا أخي.. أصيل من أصيل..
-أنت والله تستحق الأدهم، وأرجو أن تلبي طلبي الأخير.
-ما هو؟
-إن سألك أحد عنا، فلا تخبره عن وجهتنا.
-لك ما تريد.
***
(10)
الخلوج تسير متلفتة تحمل جسدين أضناهما السفر، وأنهكتهما الهموم والمتاعب تجتر القتاد بصمت، وتطلق من آونة لأخرى أنيناً يمزق نياط القلب..
إيه أيتها الخلوج.. أنت تئنين، ونحن نتنهد..
أنت فقدت الغالي.. أما نحن فالغالي هو الذي فقدنا، وسيفقدنا إلى حين يشاء الله.. لكن قلبك أكبر من قلبه، وتملكين من المشاعر والأحاسيس ما لم يستطع الشيخ حجلان امتلاكه..
آه لو تعرفين لمَ آثرتك على جوادي الأدهم؟
إني كرهت أن أسير بركاب من باعني بثمن بخس..
فأطلقي أنينك عالياً، فستجدين الصدى يتماوج في قلبين ما زالا ينبضان بالحب والوفاء رغم كل العواصف والأعاصير..
تلفتي أيتها الخلوج كيفما شئت فلن تجدي وليدك.. مسكينة أنت كم ستعانين في رحلتك الطويلة، وستدمع عيناك حتى تجفا، وتذويا في محجريهما..
أمضى ضاري فسحة من الوقت شارد الذهن يناجي خلوجه، ويفرغ عبراته دون أن تراه أخته..
همست ريمة في أذنيه أكثر من مرة، فضاع همسها في فضاء الصمت الرهيب حتى ملّها الصمت، فرفعت عقيرتها:
-ضاري.. ماذا بك يا أخي؟ بم تفكر؟
-أفكر بالمجهول يا أختاه.
-كم كان كريماً ذلك الراعي!
-هل عرفت من هو شيخه؟
-لا..
-الله أعلم.. إنه أبو العنود.. غاليتك.
-ماذا تقول؟
-قد أكون مصيباً، وقد أكون مخطئاً.
-ليتنا نذهب إليه يا أخي..
-نحن في الطريق إليه يا ريمة، وسنرى.. لكن ما أريده منك ألا تعرفيه بنا، واحفظي كل كلمة تقولها زوجته.
-لمَ يا أخي؟
-ستعرفين فيما بعد.
-كما تشاء يا أخي.
-الصمت مطارق قوية تدق في بوابات الذاكرة.. والليل يكر إثر النهار، والسماء حرون تأبى رش الأرض بدموعها، والعيون ترنو قلقة تارة إلى اليباس وتارة أخرى إلى السماء.. شقوق الأرض فرّخت بها الديدان وأصناف من الحشرات لم تكن مألوفة، وأوكار الذئاب خالية إلا من العواء، وبوابات الشفق لا تزال تستحم في بحر من الدماء..
عندما بدت مضارب الشيخ ابن عبلان هرولت الناقة نحو قطيع من الإبل، ورغاؤها المتقطع يبث في النفوس أسى وحسرة..
أمسك ضاري زمامها بقوة، وسار بها إلى المضارب، وتوقف عند خيمة كبيرة تفوح منها رائحة الهيل..
هرول نحوهما خادم الشيخ مرحباً، وأمسك زمام الناقة، فبان خلفه رجل في العقد الخامس من عمره يتمنطق بحزام محشو بالرصاص، وعلى كتفيه عباءة سوداء، فصاح بأعلى صوت:
-أهلاً بالضيوف.
-أهلاً بك يا أبا العنود.
تصافح الرجلان، ولاذت ريمة بخمارها، وتسللت إلى داخل الخيمة حيث كانت تنتظرها امرأة، ودخل الشيخ وضيفه.
-أنت تعرفني أيها الرجل؟
-ومن لا يعرفك يا أبا الجود والكرم؟
-هيئتك يا ولدي تدل على أنك ابن كرام أيضاً.
-أحمد الله على كل حال.
-ومن هي المرأة التي ترافقك؟
-هي أختي، ونحن متجهان إلى أقربائنا في قبيلة الحواملة.
-إذاً أنتما من عرب الشيخ شعلان.
-نعم يا عماه.
-قلبي عليه والله. قل له إن الشيخ بديوي العبلان يسلم عليك كثيراً وإنه لن يتخلى عنك.
-سأقول له إن شاء الله.
-من أين قدمتم يا ولدي.
-من قبيلة الصافي.
-عرب الشيخ حجلان؟
-نعم.
-كيف صحته وأحواله؟
صمت ضاري طويلاً، ونكس طرفه، وتنهد، فارتاع أبو العنود، وأمسك بكتف ضاري قائلاً:
-هل أصابه سوء يا ولدي؟ أرجوك حدثني عنه.
-ماذا أقول لك؟ لقد تزوج من ابنة رجل لئيم لم يرع له ذمة رغم أنه كان دخيلاً عنده.
-الشيخ حجلان تزوج؟ ممن؟
-تزوج بابنة الشيخ مناور.
-الشيخ مناور؟ لا أعرفه.
-أنت تعرف الشيخ حجلان.
-آخر مرة رأيته فيها منذ أكثر من عشرين عاماً إنه رجل فاضل وشيخ حكيم، ولقد تركت لديه أمانة لم تسعفني الظروف باستردادها.
-هل لك عليه مال أم حلال؟
-أغلى من المال والحلال..
-ربما يحتاجك الآن لتخلصه من الرجل الظالم مناور.
-الويل لمن ظلمه وعاداه.. سأذهب إليه ولكن بعد أن أنهي أموراً كثيرة تشغلني، وأرتب شؤون قبيلتي كما أريد.
كان ضاري قد أيقن أنه أبو العنود، أبو الفتاة التي تربت في بيت أهله، وكان من آونة لأخرى يتمعن في تقاسيم وجهه وملامحه، فكان يرى فيه بعض ملامح العنود، وكان أبو العنود بدوره يسرق النظر إلى ضاري كلما سنحت له الفرصة.
وما هي إلا دقائق حتى كان الطعام أمام ضاري.
أكل ضاري كثيراً، وحمد الله، ودعا للشيخ بالخير والبركة.
قال له وهو يحتسي الشاي:
-قل لي يا ولدي: أتعرف كم ولد للشيخ حجلان؟
-على ما أذكر يا عماه: له ولد أصبح فارساً، وله ابنة وفي بيته تعيش فتاة يتيمة لا تفارق ابنته أبداً.
تنهد أبو العنود بارتياح.. اختلس ضاري النظر إليه، فوجده ساهم النظرات مبتسماً.
نهض ضاري مودعاً أبا العنود قائلاً:
-كم من الوقت يلزمني للوصول إلى مضارب الشيخ شعلان.
-مسيرة ثلاثة أيام بلياليها، وعندما تصل إلى بئر الصخر تكون قد قطعت أكثر من نصف المسافة.
-أستودعك الله يا أبا العنود.
-رافقتكما السلامة.
الخلوج تخبّ، والساعات تمر، والشمس تتوارى خلف حجاب سميك أسود قاتم..
-هل تأكدت يا أخي من أنه أبو العنود؟
-إنه بلحمه وشحمه..
-وماذا كنتما تتحدثان؟
-كان يحوم في أسئلة ليعرف أخبار ابنته بعد أن قلت له إنني قادم من مضارب الشيخ حجلان.
-وهل أرحته؟
-نعم يا ريمة، وبنفس الوقت دفعته لنصرة الشيخ حجلان ضد الشيخ مناور، وقد أوضحت له أن الشيخ حجلان هو مضطهد الآن.
-نِعمَ ما قلته يا أخي.. إن أبا العنود رجل شهم، وسيذهب حتماً ليرى ابنته، وسينصفَ الشيخ حجلان، ويعيد له هيبته هذا إن كان أبونا مظلوماً.
-من يدري يا أختاه.. الله وحده يعلم ما يجري له الآن.
-والله إنني خائفة على أبي يا ضاري، وما كان لنا أن نتركه فريسة بيد الخسة والغدر..
-لم يكن لنا من خيار يا أختاه.. إنها إرادة الله.
-وإلى أين سنتجه الآن؟ إني أكاد لا أرى شيئاً.
-سننام الليلة هنا، ونتابع مع الفجر، ولن نتوقف إلا عند بئر الصخر. لنتزود بالماء ثم أمامنا طريقان، الطريق المؤدي إلى مضارب الشيخ مروح شيخ الفوارس، ويقول عنه أبو العدود أنه من كرام الناس، أو نتجه إلى الطريق الآخر المؤدي إلى مضارب خالنا الشيخ مشعان.
-أنا لا أريد أن أرحل إلى مضارب خالي.. إنني أكره ولده فهيد، ولا أتمنى رؤيته.
-كما تشائين يا أختاه. التيماء موحشة، والليل دامس الظلمة.. والقمر قد اختبأ خلف عباءة سوداء، وعواء الذئاب والضباع يمزق السكون من آونة لأخرى..
هيأ ضاري بندقيته، وألقمها رصاصة، ولملم بصعوبة عدة شجيرات من الشيح وأوقدها..
أكلا بعض الزاد وشربا وتحدثا عن أبي العنود.
قالت ريمة: حدثتني امرأته كثيراً عنه. كيف استطاع ببراعة أن يشفيها من مرض ألم بها منذ زمن ولم تبرأ منه إلا على يديه، وكيف أحبته لأنه كان شريفاً وصادقاً وفارساً عنيداً أظهر في عدد من المواقع بطولات تحدثت عنها القبيلة طويلاً، وكيف تزوجته، وعاشت معه بثقة واطمئنان وقت الفتنة عند وفاة والدها، وكيف استطاع أبو العنود أن يخمد الفتن كلها ببراعة وحكمة ودهاء، وكيف بايعه معظم الشيوخ شيخاً على القبيلة.
-هل حدث كل هذا منذ زمن بعيد طويل؟
-قالت زوجته إنه أصبح شيخاً منذ وقت قريب، وأن فتنة ما زالت تحرض الناس ضده، وهو بصدد إخمادها أو احتوائها.
-إذاً لن يستطيع أن يذهب إلى أبي قريباً.
-لا أعتقد. قالت امرأته: ربما ترحل القبيلة إلى فيضة ابن موينع أو بجوارها إن استمر اليباس في أرضهم.
-أتعرفين يا ريمة أنني أردت اختصار المسافة، وأخبره بحقيقة أمرنا، ونبقى عنده، وأساعده في القضاء على كافة أعدائه، لكنني خفت أن يخبر أبي بوجودنا عنده، وهذا ما لا أريده ولا أتمناه الآن.
-والله لقد راودني هذا الخاطر أيضاً فطردته من رأسي لا أعرف لماذا؟
كان الليل طويلاً على ضاري وريمة، فقد اقترب عواء الذئاب منهما أكثر من مرة، وقد خمدت نار الشيح، وكان ضاري يطلق الرصاص في كل مرة على مصدر العواء دون أن يرى شيئاً حتى تكشف الصبح، فوجد أنه استطاع أن يقتل ثلاثة ذئاب.
سار ضاري وريمة في فيافي الصحراء حتى الظهيرة، ولم يصلا بئر الصخر. قال لأخته بأسى:
-أخشى أن ينفد الماء ولا نجد البئر..
-هل سرت يا أخي في الطريق الذي أرشدك إليه ابن عبلان؟
-إي والله لم أحد عنه.
-إذن توقف قليلاً لنأكل بعض الزاد، ثم نتابع المسير.
-كما تشائين يا أختاه.
الطريق ما زال طويلاً وشمس الظهيرة عليلة..
الخلوج تهرول، وأنينها لم ينقطع..
-ضاري.. الماء نفد.
-سنصل البئر إن شاء الله بعد وقت قريب.
الشفاه اليابسة تهمس في أذن الزمان كلمات الرحمة.. يا رب أغثنا.. يا رب ارحمنا.. لقد جفت الحلوق، ويبست كل الكلمات..
-ريمة ابشري يا أختاه..
-هل وصلنا بئر الصخر؟
-إنه على بعد أمتار من هنا.
-الحمد لله.
ألقى ضاري حصية في قاع البئر، فأشارت إليه أن الماء شحيح.. أخرج حبلاً طويلاً ربط رأسه بقربة الماء، وألقاها في جوف البئر، وانتظر دقائق..
جرَّ ضاري الحبل بتؤدة.. لم تحمل القربة سوى الخيبة..
امتص أديمها، ولعقتها أخته قائلة:
-إن الماء شحيح فعلاً، وبه ملوحة خفيفة.
-لا يهم يا أختاه لن نحتاج إلى أكثر من نصف القربة ماء كي توصلنا إلى مضارب الشيخ شعلان.
-من أين ستجلب الماء؟
-سأنزل إلى جوف البئر.
-لا تفعل أرجوك، فالبئر عميق.
-وهل أدعك تموتين عطشاً؟
-ولكن كيف ستنزل إلى جوف البئر.
-سترين.
ربط ضاري طرف الحبل بزمام الناقة وطلب من ريمة أن تمسك الزمام بقوة كي يتدلى بالحبل إلى قاع البئر.
ارتجفت ريمة صائحة:
-إنني خائفة عليك يا أخي.
قال لها بعد أن أحكم شد الحبل:
-لا تخافي إن الله معنا، امسكي الحبل جيداً ولا تدعيه يفلت منك.
-اطمئن يا أخي، وليرافقك الله.
تشبثت ريمة بزمام الناقة، وتدلى ضاري.. تململت الناقة، وتلفتت يمنة ويسرة. وقد أثقل الحبل رأسها، وما هي إلا دقائق حتى حدثت المأساة..
حررت الخلوج رأسها من الزمام بقوة، وقذفت ريمة بعيداً، وأخذت تعدو عدواً غريباً..
صياح ريمة وأنينها وصياح ضاري الذي هوى في أعماق البئر يفتت الصخر الذي دق عظامه..
زحفت ريمة على بطنها، وهي تتمتم باكية:
-ضاري.. أخي ضاري..
الأنين وحده يجيب على كل التساؤلات..
صاحت ثانية وثالثة: ضاري.. ضاري..
رددت الصحراء صدى صوتها، فلطمت وجهها، وعفّرته بالتراب، وتهاوت إعياءً وعجزاً، وضاري في غياهب الجب يمزق أنينه صدى الصمت الرهيب..
أفاقت ريمة بعد لأي، وصاحت بأعلى صوت: ضاري.. ضاري.. الأنين وحده ولا شيء سواه هو كل ما تسمعه، فصاحت ناشجة:
غبره حياتي والصفو زال
ولفاني بعد الرغب تكدير
الغيم عيني والموق همال
يهمي على ونيسي الوقع بالبير
حقي أشق الثوب للذيال
وكثر المصايب للحظ دعثير
وعنين ضاري يطعنّي بالنبال
وآني أصيح يا الله يالمجير
جبدي تشوى شي صلصال
وضاري لـه العنّات تعبير
ثم هوت ريمة، وهي تتمتم باسم أخيها حتى غابت عن الوعي.
***
(11)
هي الصحراء.. مفازاتها رعب، ومتاهاتها سراب.. تردد صدى الأنين بعهر، وتنثر الحصباء بقهر.. الأحلام فيها كوابيس، والآمال رحلة شقاء لا تنتهي.. مسيرة التحدي شاقة، وطريقها وعر، وجمر الغضب فيها يكمن تحت الرماد.. كل الكلمات والتوسلات اختفت في زفرات حرّى أطلقتها ريمة وهي تحدق ذاهلة في الخيط الأبيض من الفجر.. اقتربت ريمة من البئر كالمجنونة وصاحت ناشجة:
جريح آني وأهلي ما ضمدوني
وأخوي الوقع ما ضم دوني
جليب الصخر ما ضم دوني
سبع ضاري مهو عفن النياب
جوف البئر يردد بخشونة صدى صوتها.. جف لسانها، ويبست شفتاها، تنظر بعينين كليلتين تارة إلى البئر، وتارة أخرى إلى السماء المثقلة بالغيوم المدماة بشفق الصباح. الجراح تنزّ من كبد السماء، وجراحها تنزّ أنيناً يتصاعد همساً باسم أخيها وحالتها البائسة فتردد بلوعة وحسرة:
يا ريم مدي الجف عالثوب
وشقي زياج الثوب لذيال
نوحي وصيحي صيحة المصيوب
ومرغي زلوفج بتراب هيال
اليوم شربج دمع مسكوب
من طاح ضاري وعن بالجال
وكتاب القدر لوعات مكتوبي
شبه بن يحرق الفنجال
ثم هوى رأسه ريمة، وتهاوت معه كل الكلمات، ولم تنفق إلا على شلال من الماء ينهمر على رأسها وجسدها..
فتحت عينيها بتثاقل، فرأت سراباً ممزوجاً بظلال قاتمة.. خانتها قواها.. فلم تقو على النهوض، فهوت تئن أنيناً يقطع الأكباد..
انهمر الماء ثانية بغزارة، ففتحت عينيها، وأخذت تلعق بشراهة كل قطرة ماء علقت بشفتيها اليابستين..
-قومي يا بنتي..
ارتجفت ريمة، وأصابها الهلع، وهوت ثانية..
-قومي يا بنتي.. قومي ولا تخافي..
رفعت رأسها باكية، وقد غرست أصابعها بالوحل، ثم أخذ لسانها يلعق الماء، وخداها مطليتان بالوحول..
-قومي يا بنتي.. أنت بخير إن شاء الله.
وقفت ريمة، ونظرت في وجه رجل كهل وقف أمامها، فقالت ناشجة: من أنت؟
-أنا يا بنتي رجل ساقه الله إليك لينقذك من الهلاك.
-لا تقتلني يا عماه.. والله لم أرتكب إثماً.
-لا تخافي يا بنتي.. والله لم أقتل أحداً طيلة عمري.
-ومن هؤلاء الذين معك؟
-إنهما ولدي وخادمي..
-وأين أخي؟
-من أخوك؟
-ألم تخرجوه من جوف البئر؟
-ومن ألقاه في البئر؟
-الخلوج يا عماه..
-ماذا تقولين؟ إني لا أفهمك.
-أرجوكم أخرجوه من البئر.
وقف الشيخ وولده وخادمه يحدقون في البئر، فلم يروا شيئاً، ولم يسمعوا صوتاً. تلفّت الشيخ نحو ريمة، فأشارت إليه بإصبعها إلى داخل البئر.. صاح الشيخ بخادمه وأمره بالنزول إلى جوف البئر، وأعطاه حبلاً أمسك الشيخ وولده بطرفه بعد أن ربطاه جيداً، وما هي إلا دقائق معدودة وكان ضاري على ظهر الخادم خارج البئر.
صاح الشيخ مكبّراً، والدهشة قد تملكته:
-يا قوة الله.. إنه حي.. ترفق به يا (طرماح) وساعده يا (هايل) لأنه مكسور..
فرش الشيخ عباءته على الأرض، وتمدد فوقها جسد ضاري تحسسه الشيخ من كل جانب، وقال:
-إن كسره في الساق والصدر. هذا ما أراه، وسيشفى بإذن الله.
احتضنت ريمة رأس أخيها باكية، وبللته بالدموع، فصاح بها الشيخ: لا يصح هذا يا بنيتي.. انهضي أرجوك.
كان ضاري في غيبوبة، لكنه بدأ يئن أنيناً خافتاً يمزق القلوب والأكباد.
غسل الشيخ وجه ضاري بالماء، ودلق في فمه قطرات من الحليب ابتلعها بعد جهد وعناء كبيرين، ثم فتح عينيه ذاهلاً، قال الشيخ:
-يجب أن نحمله معنا إلى المضارب لنعالج كسوره.
طلب من طرماح أن يحمله برفق على جواده، وركب هايل على جواده، وأردف الشيخ ريمة خلفه على ظهر كميت ضامر، وقبل أن يرحلوا سمعوا صوتاً يناديهم من بعيد، وصهيل جواد أدهم مسرع نحوهم يحمل على صهوته فارساً يلهث.
-ماذا فعلتهم بهذا الرجل وأخته؟
تقدم الشيخ من الفارس، فرآه حزيناً، قال له:
-من أنت أيها الفارس؟
-أنا راع بادلني ذلك الرجل هذا الجواد الذي تراه عندي بخلوج سرعان ما عادت إليّ، فأدركت أن الرجل وأخته في حرج، فجئت مسرعاً إليهما، فماذا حدث بالله عليكم؟
-أخرجناه من البئر مكسوراً يا ولدي، وسنأخذه إلى عربنا، فلدينا حكيم ماهر قادر على جبر الكسور المفتتة.
-إذن قل له يا عماه: إن صاحب الخلوج قد جاء إليك بعد فوات الأوان، وكان يتمنى خدمتك.
-إن شاء الله يا ولدي عندما يصحو جيداً.
-وقل له يا عماه إن الخلوج ستبقى أمانة لديه حتى يرجع سالماً إن شاء الله.
-إن شاء الله يا ولدي.
القافلة تسير الهوينى يتقدمها الشيخ وريمة..
الهواجس والظنون تقذف حمماً وبراكين، واليباس يلقي بظلاله القاتمة على الوجوه المتعبة التي أنهكها طول المسير وسراب الأمل.. من هؤلاء؟ ولماذا؟ وإلى أين؟
تنحنح الشيخ قائلاً: ما اسمك يا بنتي؟
-ريمة يا عماه.
-كيف ترين حالك الآن؟
نبتة السلماس حالي والأيام
قصيرها غيمٍ ما سقاها
تباريني الحسرة وصليل العظام
وجفون عيني تذبل من صحاها
لا صبر على الدنيا صبر من صام
وأيوب النبي فعاله ورثناها
-ما هذا يا ريمة؟ أنت شاعره، وتحسنين التعبير، ولكن ماذا ألم بك يا بنتي؟
جتنا كوابيس وشلّت حلمنا
ودموع العين مزنات السحابا
شردنا بهل البيدا واحرمنا
أهل المفاتن ناس بذيابا
واليوم يا عمي والله انفطمنا
ولا تشفي أبد جروحنا عطابا
جنت أغني ويفرح نغمنا
وغناي اليوم دموع وندابا
-اطمئني يا بنتي، والله لن يكون غناؤك منذ اليوم إلا فرحاً وسعادة.
-إن شاء الله يا عمي.
-من أي القبائل أنت؟
حنا ربع عزّ الربع
المرجله بينا طبع
حتى الطفل بينا سبع
يهوي المهار الغايرات
حنا نشامى للصحيح
عدونا ما يستريح
عدونا لا بد يطيح
بين المهار الغايرات
حنا صقور بالحرب
وعيوننا تجدح لهب
نرد النبع قوه وغصب
فوق المهار الغايرات
-ونعم القبيلة قبيلتكم والله، ولكن لست مع القوة والغصب يا ريمة ليتك قلت غير ذلك.
حنّا تجمعنا المودة
وساق البارودة المخدّه
ظالم روحه من تعدى
نرميه لطيور الغربان
دقّ المهباج عند العصر
ما نجي عدونا غدر
وسيوفنا مي للهبر
توصل لحد الشريان
-أحسنت يا ريمة.. يا الله ما أروع ما تقولين.
-وأنت يا عماه من تكون؟
أنا الشلت الجمل يوم الجمل ناخ
شلت حملي ولا نوبه صحت أخ
ترى مالي مثيل لا ولا أخ
تجرّع بالحيا مثلي عذاب
أنا عمك الشيح مروّح شيخ قبيلة الفوارس، كنت في رحلة صيد. تصوري كلهم نصحوني ألا أذهب للصيد في مثل هذا الجو الكئيب حيث الجفاف والوحوش الضارية تنتشر في كل مكان.. لكنني أبيت وصممت لرحلة طويلة أنهكتني.. طلبوا مني اختصار الوقت وعدم المرور إلى بئر الصخر، فقلت لهم: سأمر على بئر الصخر لأتأكد من جفافه. أرأيت المقادير يا ريمة؟
-الحمد لله يا عماه الذي ساقك إلينا، فلولاك لقضي علينا.
أجابها الشيخ ضاحكاً: لولانا لاستأثر بكما صاحب الخلوج وحرمني من هذه المكرمة. ضحكت ريمة للمرة الأولى قائلة: لقد كان ذلك الراعي كريماً معنا، وإن قيّض لي، ورأيته مرة ثانية لأكرمته.
-لم تخبريني يا ريمة أين كانت وجهتكما في الرحيل؟
صمتت ريمة طويلاً.. ترى هل تبوح لهذا الشيخ الكريم عن وجهتهما؟ أتفضي له بأمرها وأمر أخيها وأبيها؟ أتروي له كل شيء؟
هزّت رأسها يمنة ويسرة، هامسة في سرها: لا لن أبوح له بسر قد يسيء لأخي وقبيلتي التي فاخرت بها قبل قليل.
تنحنح الشيخ بقوة وأدرك ترددها قائلاً:
-لا عليك يا بنتي ليس من المهم أن أعرف كل شيء، فالناس الأخيار لن تكون وجهتهم إلا إلى الخير.
-صدقت والله يا عماه.
-ونحن يا ريمة لا نعامل الذين يسوقهم الله إلينا إلا بالخير، وأتمنى من الله أن يطيل مقامك عندنا لتعرفي من هو الشيخ مروح، ومن هي قبيلته، ومن هم ربعه:
رفيجي اليجسم العنا والفراح
ينسّيني إذا يوم الولف راح
أمد لـه ألف ساعد وألف راح
وأظل مديون ليوم الحساب
رفيجي الما طعن ظهري وغدر بيه
ولا جدّر على قلبي الغدرُ بيه
أظل طول العمر أرفع قدر بيه
ولا أقبل بداله بالأصحاب
-الله الله يا عماه. أنت والله لا تستحق إلا الخير، من يجرؤ أن يغدر بك؟
-قبيلة يا بنتي رغم كل ما قدمته لها من عون فهي غادرة.. إنها قبيلة المرادّة.. قبيلة الشيخ مشعان.
ارتجفت ريمة، وكادت أن تطلق صرخة من أعماقها..ما هذا الذي يقوله هذا الرجل الطيب؟ إنه يعرّض بقبيلة خالها.. رباه.. أخرجنا من هذا المأزق الخطر.. ماذا لو عرفنا بأننا أولاد أخت الشيخ مشعان؟ ماذا سيحل بنا؟ لكن أليس ما يقوله الشيخ هو الحقيقة؟
إن أبي عندما رفض تزويجي من ابنه فهيد كان يعرف جيداً سلوكه وسلوك أبيه الشائن.. رفض بالرغم من كل ما قدمه ووعد بتقديمه من مال وحلال، وأنا والله كنت أكرهه كرهاً لا حدود له، حتى إنني قلت لأخي ذات يوم بأعلى صوت: لا.. عندما قال لي بأننا سنذهب إلى قبيلة خالي مشعان، لأنني أدرك تماماً المصير الذي ينتظرني هناك، فأدرك أخي حتماً ما كان يخيفني عندما قال لي: كما تشائين يا أختاه.. لكن الخوف الآن من أن يعرف الشيخ مروّح علاقتنا وقرابتنا من الشيخ مشعان. ليته لا يعلم ولا أحد يخبره..
سأتحدث بهذا الأمر لأخي عندما يصحو، وسأدعه يقف بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه العبث بأمن قبيلة الشيخ مروح، وألا يرحم أي معتد حتى ولو كان خاله.. إنه الوفاء الذي يجب أن يسود، والحب الذي يجب أن يعم.
عندما طال صمت ريمة تنحنح الشيخ قائلاً:
-أتحتاجين إلى شيء يا بنتي؟
-أجل.. إنني جائعة يا عماه.
-مدي يدك في الخرج، واخرجي اللفافة منه.
كانت اللفافة تحوي خبزاً ولحماً، أكلت منه ريمة قليلاً، ثم قالت للشيخ:
-إني قد اكتفيت، ألا يأكل أخي قليلاً؟
-لا يا بنتي، إن جرعة الحليب التي شربها تكفيه الآن ولا نستطيع أن نطعمه قبل أن يراه الحكيم.
-أيبقى دون طعام؟
-لا.. سنسقيه الحليب من فترة لأخرى.
-كما تريد يا عماه.
لماذا كان يغزوك الغادر مشعان يا عماه؟
-يريد أن يجلينا من أرضنا الخيرة، رجل لا أخلاق له صدقيني، فهو من آونة لأخرى وبغفلة منا يرسل لصوصه فينهبون حلالنا، ويحرقون خيامنا، ويعيثون فساداً في زروعنا، وفوق كل ذلك كنت أرسل إليه أكثر مما نهبه ليخجل من نفسه لكن دون جدوى.
-ولماذا لم تقاتله لتردعه؟
-والله يا بنتي كلما يهم الفرسان للأخذ بالثأر، أنظر إلى جموعهم، وأقول لهم بصوت عال:
هذاً متاع الخير يا رب
تشهد علي ما أبغاه باغي
وما أريد يفجع أم وأب
ولا أريد غليم باليتم رغراغي
وعهدن علينا ما نستغل الرتب
والشور سنه للكل صاغي
تا يعم الحق والباطل يذهب
للحق أنوار والظلم الوجاغي
-لكن يا عماه لن يذهب الباطل بفعل الخير، إنه يحتاج إلى قوة قاهرة لردعه.
-هذا ما كان يقوله عمك الشيخ مفوز، ويخالفني عليه، وكنت أقول لخلاني عندما يلحّون عليّ بالرد:
يخلاني ترى الدنيا نهر جار
بخيت الما تعدى وما نهر جار
يشابهنا سفين بالنهر جار
جثير من السفن غرجت على الشط
-وهل قبيلة الغادر مشعان قريبة من مضاربكم يا عماه؟
-إنهم جيراني يا ريمة، وهذا ما كان يمنعني من الرد عليهم، لكن الله كبير تصوري يا ريمة أرضهم تمحل، وأرضنا بساط أخضر، ولا يتعظ يا بنتي.. نكب الله مشعان ثلاث نكبات في شهر واحد. قتل ولداه خشمان وعفتان، وسلط الله عليه بعض شذاذ الآفاق، وسلبوا ستة قطعان من حلاله، وقتل أخوه قائد فرسانه، والله لقد حزنت لمصابه رغم غدره، وكنت أرسل إليه الحلال والمال كي يرضى ويقنع، فيكفيني شره، وكان يقول لو لم يكن ضعيفاً لما أرسل إلي ما أرسل.
-لا تحزن يا عماه.. إن تطاول عليك ثانية، فلن يدعه أخي، ولو حلّق في الآفاق، وسينتقم منه إكراماً لك ولسجاياك. فأخي لو تعرفه:
شبلٍ نِشا ما داسَ بالعمر عذورب
ومنزّهٍ ما عاب عرضه ولا عيب( )
ديم المحل مرغي الفحل عُقب ماهوب
يرزم طويل الناب شوقِ الرعابيب( )
-الله يا ريمة، والله إني فخور بك وبأخيك؟
-عماه: ماذا سنفعل إن لم نجد الحكيم في القبيلة؟
-الحكيم المهادي لا يغادر القبيلة إلا بعد أن يعلمني عن وجهة سفره، إنه موجود الآن في القبيلة اطمئني، والحكيم المهادي بارع في شفاء الجروح البليغة، وجبر الكسور المفتتة.
-وهل برأيك ستطول مدة علاجه؟
-ليس كثيراً، واعلمي بأننا سنسهر جميعاً على راحته حتى يتماثل للشفاء، وبعدها له الخيار إن أراد البقاء عندنا فله الصدارة، ولك مثله والله، وإن أراد الرحيل، فرجالي سيرافقونكما حتى تصلا إلى قبيلتكما سالمين غانمين بإذن الله.
-لا أعرف كيف أشكرك أيها الرجل الطيب؟
-لا تقولي هذا يا بنتي، فهذا واجبي أقوم به. ولا شكر على واجب أبداً.
-كل ما أريده يا عمي من الله ومنك أن أرى أخي معافى.
-سترينه يا ريمة بإذن الله موفور الصحة والعافية.
-والله يا عماه لو كان أخي معافى لما استطاع غادر أن يتسلل إلى مضاربكم، ستراه بعد شفائه فارساً شجاعاً إنه والله قائد فرسان قومه ويستطيع أن يفعل الكثير لقبيلتك.. يدرب فرسانك، ويعلمهم فنون الحرب والكر والفر. ستراه فيما بعد يا عماه.
-إن شاء الله يا بنتي.
في منحدر صعب شهقت ريمة قائلة:
-يا عماه.. أوصي طرماحاً أن ينتبه إلى أخي.
-لا تخافي يا ريمة، فطرماح رجل إن اجتمع عليه عشرة من أقوى الرجال، فلن يستطيعوا أن يرموه أرضاً.. إن الله وهبه خفة في الحركة، ومقدرة على الثبات وقوة جسدية يحسده عليها كل الفرسان.
-وهل مضاربكم بعيدة من هنا يا عماه؟
-لولا سيرنا البطيء لوصلناها الآن، ولكن الحمد لله على هذا السير البطيء الذي جعلني أسمع منك عذب الحديث، وأتمنى أن تقولي المزيد.
-سأقول يا شيخ مروّح شريطة ألا تطلب تفسيراً لما أقول.
-كما تشائين يا ريمة. المهم أن تقولي.
-أقول:
عالأووف يّما سببولي أوفي
وجابولي الحسرة وأودعوها بجوفي
كثرت دموعي وقللوا شوفي
مزاول دربي والدرب بعيدي
شلّو لي جفوني عن نومي شلّوهن
رواق قلبي عالجمر حطوهن
وفاي وبري بالجدم داسوهن
اشقوا حياتي ماني بالسعيدي
باعوا أيامي ويّاها هناها
وضاعن سنيني وخساره وياها
والشعر تمرغ من لوعة عناها
ذبحو لي الفرح بمواس الحديدي
خليني أبجي يا خوي تا أشبع
والعبره تداوي إحساسي الموجع
الولي ليش صاير بينا يقطع
أبوي المالو ثاني وليدي
ارتاحت خواطر أهالي النميمه
والولي تبرّا يا نكبتج يا ريما
مالي بالدنيا خيّا ولا ميما
وعيون أخوي تكفيني وتزيدي
دلّوا علي أصناف النوايب
ديار النصايب سوهن خرايب
ووحوش البر صارو لي قرايب
جرّولي الدمعة تاوصلت جيدي
أبوي قال لي ما تشوفج عيوني
واجهل ذنوبي يللي تهمتوني
إلا باللحد هالجسد مدفوني
تا يهيل الوالد الرمال ويزيدي
يا رب الستر حنّا من طلابو
والشر ما نريدو قفلنا بوابه
اجمع يا ربي كل محب بحبابو
دعوة مظلومة مصيوغة بنشيدي
-كفى يا ريمة.. أناشدك الله.. والله لقد ذرفت من الدمع ما يكفي لقبيلة.. والله لو تقولين لي الحقيقة لبذلت كل ما لي وحلالي من أجل إسعادك.. ما هذا يا ريمة أأنت من البشر حقاً؟ أنت ملاك والله.
-يا عماه والله إنّ ما قلته نظمته دموعي وزفراتي، وسيأتي اليوم لتعرف كل شيء.
تشبث يدا ريمة بخاصرة الشيخ عند منحدر صخري جفل لـه قلبها..
يا الله.. ما هذا؟ كان المنحدر يطل على بساط أخضر جميل، انتشرت على أديمه مئات الخيام وآلاف الشياه والخيول تسرح وتمرح فرحة..
-ما هذا يا عماه؟
-إنها مضاربنا، وأرضنا الخيرة التي يحاربنا الآخرون من أجل الاستيلاء عليها.. بعد قليل ستمرحين على هذا البساط السندسي.. بعد قليل ستكونين مع أخيك بين أهلك وعشيرتك، ولديّ ابنة جميلة اسمها (هدوة) ستعجبك، وستكون أختاً لك..
***
big love
06 - 08 - 2009, 03:02 PM
(12)
أمام خيمة سباعية مشرعة قفز رجل أسود كالليل، أمسك بيديه القويتين لجام جواد الشيخ.. نزلت ريمة، ونزل الشيخ مروح، بينما كان طرماح يحمل جسد ضاري على ظهره، ووضعه برفق على فراش وثير..
صاح الشيخ مروح بالشبح قائلاً:
-اذهب يا رماد في الحال، وأرسل لي الحكيم مهادي.
-"تامر يا عمي الشيخ".
-وأنت يا هدوة خذي أختك ريمة..
تقدمت فتاة في ربيع العمر تغازل شمس الخريف بحذر لذيذ لتذوّب أطيافها الناعسة بتحد وشموخ.. نظرت بعينين كأنهما عينا مهاة حوتا كل أسرار المستحيل.. داعبت ضفيرتها برفق، واحتضنت ريمة بحب ولهفة، وكأنها تعرفها منذ زمن طويل، وأخذتها إلى خدرها.. لحقها هايل قائلاً:
-ريمة.. ريمة..
نظرت ريمة ملياً في عيني شاب وسيم، وكأنها تنظر إليه لأول مرة، فتعانقت الأحداق طويلاً.. تنحنحت هدوة، فقال متلعثماً:
-ريمة.. هذه أختي هدوة..
أجابته هدوة ضاحكة:
-يا هايل.. ريمة ستكون أختي أيضاً، ولن أفارقها أبداً..
همَّ بالحديث لكن هدوة قالت له ضاحكة:
-هايل.. ألا تسمع؟ والدي يناديك.
هرول هايل، واقترب من أبيه الذي كان يصدر بصخب أوامره لنصب خيمة مجاورة لخيمته..
تنبه الشيخ مروح لوجود ابنه فقال:
-وأنت يا ولدي أريدك أن تشرف على تجهيز الخيمة.
-أمرك مطاع يا أبي. خلال وقت قصير ستكون الخيمة جاهزة.. ولكن..
-ما بالك يا ولدي؟
-كنت أتمنى أن يمكثا في خيمتنا، فهي كبيرة، لنكون إلى جانبهم دائماً.
-لا يا ولدي.. زوارنا كثيرون، وضيفنا بحاجة إلى الراحة، وحتى لا تجد ريمة حرجاً، أما نحن فلن ندعهما وحدهما. لا تخف يا ولدي. والآن نفذ ما أمرتك به.
كان الشيخ مروح يراقب كل شيء باهتمام.. تأمل رجاله وهم ينصبون الخيمة، ويفرشونها بكل ما تحتاجه، فابتسم.. نادى بصوت عال:
-طرماح.. طرماح..
-لبيك يا عماه.
-انقل يا ولدي ضيفنا وهو على فراشه إلى خيمته، وأنت يا رماد ساعده، أنت من جانب وهو من جانب وأسرعا فالحكيم مهادي قادم..
-في الحال يا عماه..
الأنين يمزق السكون، ويدمي القلوب.. العيون ترنو بقلق غريب إلى الجسد المسجّى بلا حراك.. الحكيم مهادي يتلمس برفق جرحاً بليغاً في فخذٍ نزف دماً كثيراً فأوهن الجسد، وعظماً مفتتاً يصعب تجبيره.
وقف الحكيم مهادي صامتاً يحدق تارة في الجرح العميق، وتارة أخرى في الساق المفتتة التي تلوح كخرقة بالية، وأخذ يداعب معزقة لحيته ونجمتها.. طال صمته، فوثب الشيخ مروح، وأمسك بكتف الحكيم قائلاً:
-يجب أن يشفى ضيفي بأي ثمن.. هذا هو يومك يا مهادي.
-لا أخفيك يا أبا هايل بأن ضيفك ستطول إقامته.
-والله إني لأتمنى إقامته الدائمة عندي، لكن ما أريده أن تلتئم جراحه، ويجبر كسره.
-اطمئن يا أبا هايل سيشفى بإذن الله، مَنْ مِنْ أهله هنا؟
-هنا أخته.
-أرسلها إليّ، ولا أريد أحداً غيرها في الخيمة.
بكت ريمة طويلاً وهي تعانق أخاها حتى أبكت الحكيم مهادي.. ربت الحكيم على كتفها قائلاً:
-يا بنيتي لا تخافي على أخيك سيشفى بإذن الله.
-صحيح يا عماه؟ ومتى؟
-إنها مسألة وقت، وأرجو من الله ألا يطول، والآن هيا ساعديني لنحرر جسده من ثيابه، ونغسل جروحه، ونخيطها، لنتفرغ بعد ذلك إلى المهمة الصعبة.
كانت ثياب ضاري ملتصقة بجسده.. بقع الدماء تشير إلى مواضع النزف ومكمن الألم..
صاح الشيخ مروح وهو خارج الخيمة بالحكيم مهادي.. يهرول الحكيم ليجد الشيخ وابنته.
-خذ هذه الملابس الجديدة لضيفنا، وهذه هدوة تحمل إليك الماء الحار والمناشف، وإن أردت شيئاً فنادني.
-لن أحتاج إلى شيء إن شاء الله.
طلبت هدوة من الحكيم أن تظل إلى جانبه تساعده، فوافق مكرهاً.
كان الحكيم ماهراً في تنظيف الجروح وإخاطتها، وضاري لا ينبس ببنت شفة، استدار الحكيم بعد ذلك إلى ساق ضاري وأحكم وضع العيدان عليها، وربطها بإتقان.
ساعتان من الوقت لم يدخر الحكيم جهداً، وكادت أخته أن يغمى عليها عندما تكلم ضاري، وأول ما لهج به لسانه هو اسم ريمة.
احتضنت ريمة رأس أخيها، وقبلته، وضاري ينادي:
-ريمة.. ريمة..
فأجابته فرحة:
-أنا هنا يا أخي.. حمداً لله على سلامتك.. سأجلب لك الحليب حالاً.
-أين ذهبت الخلوج يا ريمة؟
تلفتت ريمة ذاهلة، والتقت عيناها عيني الحكيم المهادي، فقال مستغرباً: أي خلوج يعني؟
-الخلوج التي سببت سقوطه في البئر..
-وما حاجته بها؟
-لست أدري يا عماه.
-أعطيه يا بنيتي جرعة من الحليب لأعطيه جرعة من الدواء.
وما كاد وعاء الحليب يلامس شفتي ضاري حتى أخذ يكرع منه، وأنفاسه اللاهبة تكوي يد ريمة، فصاحت:
-إن أنفاسه كاوية أيها الحكيم.
ابتسم الحكيم وقال: يومان ليس غير، وستعود أنفاسه كما كانت شريطة أن تعطيه الدواء بانتظام..
-لن أفارقه أيها الحكيم، فليس لي في الدنيا غيره..
-واضح ذلك يا بنتي، فهو لم يردد سوى اسمك.
فتح ضاري عينيه بوهن، فرأى ريمة، وابتسم، ما لبث أن اختفت ابتسامته عندما أبصر الحكيم وهدوة..
-من هؤلاء يا ريمة؟
-إنهم يا أخي من أنقذوك من الموت.
-شكراً لله.. شكراً لهم.
لملم الحكيم حاجاته، وأودعها خرجه قائلاً:
-انتظروني عصر كل يوم..
ألقت هدوة بسهام عينيها الدعجاوين في عيني ضاري الذي ابتسم لها قائلة:
-أنا وريمة لن نتركك أبداً، ولكن الآن أسمع صوت أبي يناديني. سأعود لن أتأخر كثيراً..
سارت هدوة بخطا وئيدة تحدّق في دقائق التراب، وتمضغ بقايا موال أخرس.. راودتها أسئلة كثيرة: لماذا تعلق قلبي به؟ هل سيكون فارس الأحلام؟ ماذا لو رحل بعد شفائه؟ كان والدها ينظر إليها نظرة استغراب.. ماذا حل بها؟ لماذا تقف وتحدث نفسها؟ ماذا يشغلها؟ أمسك بيدها، ثم احتضنها، فبكت طويلاً.
-ماذا يبكيك يا بنتي؟ لمَ أنت متوترة؟
-لا أدري يا أبتاه. لكن آلمني منظر جروح ضيفنا.
-لا عليك سيشفى بإذن الله. والآن تعالي معي.
جلس الشيخ مروح بجانب زوجته، وجلس أمامها ولداهما.. قال الشيخ لولديه:
-أرجو ألا تشعرا ضيفينا بأنهما غريبان، وفي الوقت نفسه لا أريد أن تتطفلا عليهما، قد يحتاجان إلى الوحدة للتفكر والتأمل، دعوهما يفعلان ما يريدان.
اهتزت الرؤوس موافقة، ثم قالت /رمثة/ زوجة الشيخ:
-يا أبا هايل أرى ابني متيماً بريمة فما رأيك؟
تنهد الشيخ وقال:
-ليت ريمة تكون حليلة لهايل. وليتني أعرف من أي العرب هم؟ أرجو منك يا رمثة أن تعرفي ما لم أستطع معرفته.
-سأعرف يا أبا هايل، فالنساء يعرفن ما لا يعرف الرجال.
***
(13)
العيون ترقب السماء بلهفة، لكن الشمس بأطيافها تبعثر كل الأحلام، ويحرق وهجها كل التوسلات.. اليباس والجفاف والرحيل هو كل ما يتردد على ألسنة الناس..
مئات الشياه وصغار الإبل جيف تتناثر هنا وهناك، وقطعان الذئاب والضباع تخب لتنهش بهمجية غضب السماء..
في كل مكان خلوج تئن، وأينما اتجهت لا تسمع سوى الأنين والزفرات..
رباه أهلكت الزرع والضرع فلا تهلك عبيدك..
الكل يدعو هذا الدعاء، والأكف الخشنة تتضرع كل هنيهة: يا رب أغثنا وارحمنا ولا تجعلنا من القانطين..
ألقى الشيخ حجلان نظرة الوداع على جسد أخته حليمة وأخذ يجر خطاه بتثاقل، وجزاع يسير خلفه بصمت كئيب..
تلفت الشيخ يمنة ويسرة، فرأى بحسرة ما آلت إليه قطعانه وأرضه ووجوه أبناء قبيلته، فقال بحزن:
-جزاع يا ولدي.. عمتك حليمة ستفارقنا..
-يا عماه الأعمار بيد الله.
-لا أمل يرتجى بعد أن أصبح الشلل عاماً..
-يا عماه سأدعو لها الله ليهبها الصحة والعافية..
ما كاد يكمل جزاع عبارته حتى علا صراخ العنود، فوقف الشيخ حجلان، وتشنج وجهه وتمتم بأسى:
-إنا لله وإنا إليه راجعون.. هيا يا ولدي احفر لها قبراً..
تملك الشيخ حجلان حزن عميق لازمه سبعة أيام بلياليها.. آلمه المصاب وأثقلته وصيتها، كما آلمه حال قومه، وكان جزاع والعنود لا يفارقانه.. الجفاف أهلك الزرع والضرع، القبيلة أصبحت مهددة بالوباء. فماذا سيفعل؟
اعتصر الشيخ حجلان صدغيه بقوة، ولم يرفع رأسه إلا على صوت يحييه.. كان كاسر قائد الفرسان يستأذنه..
-إلى أين أنت راحل الآن يا ولدي؟
-استكشف يا عماه مع بعض رجالي.. أدع لي بالتوفيق، فقد قيل إن بني خالد يرحبون بجوارنا..
-كان الله معكم..
لحق جزاع قائد الفرسان، فهمس في أذنيه كلمات وعاد مسرعاً.. فنادته نوار قائلة:
-ماذا همست بإذن كاسر يا جزاع؟
-قلت له ليتك تجلب لنا قهوة عند عودتك.
-وماذا قال لك؟
-قال: إن شاء الله.
-يا جزاع لك في عنقي دين..
-استغفر الله يا عمتي.. ماذا تقولين؟
-يا جزاع العنود تحبك، وسنفرح بكما غداً.
-يا عمتي هل ترين الظرف مناسباً والوقت ملائماً؟
-قلت لك غداً ستتزوج العنود، وتسكنان في خيمة حليمة..
ذهل جزاع وكادت قواه تنهار، وبكى..
التفت الشيخ حجلان إليه قائلاً:
-اسمع كلام عمتك نوار.. ولا تنس أن زواجك من العنود وسكناك في خيمتها إحدى وصايا عمتك حليمة رحمها الله، ثم ما هذا الذي تفعله؟
جفف جزاع دموعه قائلاً:
-إنها دموع الفرح يا عماه، ورحم الله عمتي حليمة، وطيّب ثراها.
-إذن هيا جهّز خيمة عمتك المرحومة، ولا تنس أن ترسل لي الشيخ سطام والشيخ ناهي بأقصى سرعة.
-في الحال يا عماه..
سار جزاع يخبّ تارة، وتارة أخرى يتوقف يناجي نفسه قائلاً: ليغفر الله لي، لم أكذب قبلاً.. لكنها أجبرتني على ذلك..
كان جزاع قد همس في أذن كاسر راجياً البحث عن ضاري وريمة، لأن الأمر جد خطير، والآتي أفدح، وهو يعرف مكانة ضاري عند كاسر كم هي عظيمة، وتدرك نوار ذلك وكانت تلك الحية الرقطاء تحب الاثنين معاً.
تلقى جزاع وهو واقف يفكر سوطاً آلم إليتيه، فانتفض انتفاضة مريعة متلفتاً، وإذا بالشيخ مناور يقهقه قائلاً:
-بِمَ تفكر أيها الغبي؟
-تريد عمتي أن تزوجني العنود غداً.
-وهل هذا الأمر يحتاج إلى وقفة وتفكير؟
-والله يا عماه كاد هذا الأمر يوقعني أرضاً..
-وإلى أين أنت ذاهب الآن؟
-عمي الشيخ حجلان يريد الشيخ سطام والشيخ ناهي..
-إذن اذهب ونادهما بسرعة.
لم يطل مسير جزاع لأنه التقاهما في الطريق، وكانت وجهتهما خيمة الشيخ حجلان، فعاد مسرعاً، وكان الشيخ مناور قد سبقه إلى الخيمة، وهو يقهقه قهقهة أذهلت الشيخ حجلان، فصاح به:
-ما بك يا شيخ مناور؟
-أضحكني ذلك الأبله.. واقف يفكر.
-من تعني؟
-جزاع.. أيوجد أبله غيره؟
ردت نوار غاضبة:
-جزاع رجل شهم، ولولاه لفقدت حياتي إنه ليس أبلهَ يا أبي، وسأزوجه غداً العنود.. إنها تستحقه.
-إذن الأمر جد وليس هزلاً.
-وستشهد على زواجه مع الشيخين سطام وناهي.
-على بركة الله يا بنتي.
لم يفارق الهم والتفكير رأس الشيخ حجلان، فتارة يعتصره، وتارة أخرى يحملق في الأفق. وكانت تتراءى له أطياف يلهث طويلاً كلما أمعن النظر فيها.. صاحت به زوجه:
-ما بك يا شيخ؟ الشيخان وصلا..
وقف الشيخ حجلان مستقبلاً الشيخين، فرأى في وجهيهما أمارات الذعر والهلع فقال:
-أهلاً بكما.. كيف أنتما الآن؟
-لسنا بخير يا أبا ضاري.. الموت يحيط بنا من كل جانب.
دخلت نوار، وألقت التحية، ثم قالت:
-لقد أرسل الشيخ حجلان بطلبكما لتشهدا زواج جزاع والعنود، وبعد ذلك تحدثوا ما شئتم، فما رأيك يا شيخ حجلان؟
تمتم الشيخ حجلان قائلاً:
-أجل يا نوار.. زواج جزاع والعنود أولاً.. هيا لنقرأ الفاتحة، وتكونوا شهوداً كلكم على هذا الزواج.
تمتمت الشفاه اليابسة بأم الكتاب، وباركوا جميعاً لجزاع والعنود، وتمنوا لهما حياة سعيدة..
قال الشيخ سطام بعد ذلك والألم يعتصره:
-جئنا إليك يا شيخنا نطلب الإذن بالرحيل.
-تمهلا حتى يعود كاسر ورجاله..
-وأين ذهبوا؟
-للاستكشاف إلى جهة بني خالد.
-ومن قال لك بأننا سنرحل إليهم؟
-إلى أين إذن سيكون الرحيل؟
- إلى الجزيرة الفراتية، ففيها خير عظيم، ولنا فيها أهل وأقارب لن يخذلونا..
وقف الشيخ مناور محتجاً، وقال بغضب:
-ليرحل من يشاء.. سأبقى مع قبيلتي في أرضنا، ولن يخذلنا الله، فما هو رأيك يا شيخ حجلان؟
-الرأي رأيكم ولكن ليس قبل أن يعود كاسر ورجاله.
قال الشيخ ناهي بحزم وهو ينظر بعينين لامعتين إلى الشيخ مناور:
-يا شيخ مناور.. لم يطلب أحد مشورتك، أو الإذن منك، وعندما يتحدث سادة القوم يسكت الآخرون..
-أنت تهينني يا شيخ ناهي؟ المرة الماضية سكتّ أما الآن فلا..
-والله لولا حرمة هذا المكان لفصلت رأسك عن جسدك.
قالها الشيخ ناهي وقد استلّ خنجره من غمده، وأشهره في وجه مناور.
وقف الشيخ حجلان بينها بسرعة قائلاً للشيخ ناهي والألم يعتصره:
-ارحل يا شيخ ناهي مع قومك فليس لك مكان بيننا، وأنت يا شيخ سطام ارحل معه إن شئت، فلن أرحل من القبيلة مهما كلفني ذلك من ثمن.
تنفس الشيخ مناور الصعداء، وقال ساخراً:
-ما بكما أيها الشيخان؟ وكأنكما لم تسمعا ما قاله شيخكما؟
رحل الشيخ سطام ومعه الشيخ ناهي، ولم يقضيا ليلتهما مع قوم الشيخ حجلان، وقد لحق بهما عرب كثيرون..
وقفت نوار تشد من أزر أبيها وزوجها قائلة:
-كل الذين رحلوا لا يحبونك يا شيخ حجلان، ولا يحبون أبي، أناس لا تهمهم إلا مصالحهم الخاصة، فلو كان بهم مروءة أو شهامة لبقوا مع شيخهم مهما كانت الظروف قاسية..
تأملها الشيخ حجلان ملياً، فغمزته بطرف عينها، وجلست بجانبه تداعب بدلال غطاء رأسه، واستطردت قائلة:
-ليرحلوا إلى أي جهة يريدون، ولكنهم سيعودون عاجلاً أم آجلاً. المهم أنت يا شيخي الحبيب فما رأيك؟
-انتظر يا نوار عودة كاسر ورجاله، والذي يقدره الله هو الخير أما عن رحيلهم..
قاطعه الشيخ مناور بحدّة:
-لا مكان لهم في القبيلة بعد اليوم أبداً.. ليذهبوا إلى جهنم.
التفت الشيخ حجلان والأسى يتملكه قائلاً له:
-لم أكن أعرف أنك قاس إلى هذه الدرجة يا شيخ مناور؟
-يا شيخ حجلان.. القسوة ضرورية في مثل هذه المواقف.
-وهل سنعيش جو المأساة وحيدين؟
-لا.. سأذهب فجر الغد إلى المفاليح عرب الشيخ متعب، وأتدارس الوضع معه، وربما سأذهب إلى الصوالحة، وأعود إليك.
-إذن اذهب، ولا تتأخر.
الأيام بطيئة، والليالي ثقيلة.. لا مطر ولا بشائر.. الغيوم تتكدس تارة وتتلاشى تارة أخرى، والشيخ حجلان أصبح نهباً للهواجس. ترى ماذا يخبئ له القدر؟ وماذا يدور في أذهان الرجال؟
هل سيعود الشيخان سطام وناهي ورجالهما إلى القبيلة؟ لا.. إنه يعرفهما جيداً، فلن يتوقفا إلا على ضفاف الفرات.. وكاسر الذي يتوق دائماً إلى الرحيل، فهل سيوفق في استكشافه في أرض أخواله رغم أن لي يداً عليهم؟ لكن كاسراً منذ رحيل ضاري وهو يبحث عنه رغم تحذيري له، فهل يا ترى كان ذهابه من أجل ضاري؟
والشيخ مناور: آه لولا نوار لأدبته على تطاوله واستخفافه بالشيخين سطام وناهي، وربما كان هو السبب في رحيلهما.. رباه.. أغثني وارحمني، وانصرني على كل من يحاول النيل مني..
كانت نوار تراقب بدقة الشيخ حجلان، وقد ذهلت لشروده الطويل، اقتربت منه، وهمست في أذنه قائلة:
-لنذهب معاً ونبارك العنود وزوجها.. قم معي.
-هيا يا نوار فرأسي لم يعد يحتمل كل ما أفكر فيه..
كان جزاع يهلل ويكبر كل آونة لزيارة الشيخ حجلان.. أخرج الشيخ صرة من جيبه وألقاها في حضن جزاع قائلاً:
-والله يا ولدي لولا الظروف التي نمر بها، وأنت أدرى بقسوتها، لأقمت لك عرساً لا مثيل له، ولك عندي أمانة ستأخذها عندما تنفرج الأمور.
أما أنت يا بنتي.. منذ زمن طويل وأنا أنتظر أباك دون جدوى، فلقد تركك أمانة عندي، وأخشى إن عاد يوماً يتهمني اتهاماً لا أطيقه.
ردت العنود قائلة:
-يا عماه أنا لا أعرف من أبي سوى اسمه، أنت الذي ربيتني ورعيتني، ووالله لو كان أبي في القبيلة لما قدم لي ما قدمته أنت، وأنت لم تجبرني على الزواج من جزاع.. أنا الذي أحببته. وتمنيته زوجاً لي، فليس من حقه إذا عاد أن يتهمك باطلاً.. أنا ابنتك يا عماه ولا أعرف سواك أباً.
-بارك الله فيك يا بنتي.. أنا استبق الأحداث بحكمي عارفة للقبيلة، ومن عادتي أن أتوقع دائماً ما أكره.. ها قد رحل معظم رجالي، ولا أعرف ماذا سيحصل غداً.
-أنا وجزاع لن نتركك والله ما حيينا.. لكن لنا رجاء نرجو يا عماه أن يتسع صدرك لما سأقوله:
-قولي يا بنتي ما تشائين.
-ضاري وريمة يا عماه.. أقبل يديك ورجليك اصفح عنهما، وأرسل في طلبهما.
تشنج وجه الشيخ حجلان، وعلا صوت نوار محذرة، وأخذت تعنّف العنود قائلة:
-ماذا تقولين أيتها الجاحدة؟ نحن ما جئنا لنسمع منك هذا الحديث، إياك أن تذكري اسميهما على لسانك مرة أخرى.
وضع الشيخ حجلان يده على فم نوار طالباً منها أن تصمت، وقال:
-يا بنتي صدري واسع لكل ما يقال..
ضاري وريمة اختارا طريقاً غير طريقي، والشيخ سطام والشيخ ناهي اختارا أيضاً طريقاً غير طريقي، وقد يختار الآخرون طريقاً آخر.. هذه سنة الحياة يا بنتي.. لن أستطيع أن أجبركما أنتما بالذات على اختيار طريقي الصعب..
أذكر أباك عندما جاء بك طفلة أنت وأمك رحمها الله إلى مجلسي، قال وقتذاك كلاماً ما زال يرن في مسامعي..
قال: لم أعد أحتمل البقاء، ولن أرجع إلى القبيلة إلا بعد أن أصبح شيخاً وثرياً.. إني أودعهما لديك أمانة. هذا ما قاله لي قبل أن يرحل. إن أباك يرى الشيخة ترفاً.. إنها يا بنتي كوابيس ومحن ومسؤولية ومواقف صعبة تقرّب أجل الإنسان، وتحيل الشاب كهلاً..
ولدي ضاري لم يقدر موقفي، وأثبت عياً وعجزاً رغم أنه السبب. والله يا بنتي لم أرفض طلباً لوالدي رحمه الله مهما كان مؤدّاه.. كنت عبداً له، ورهن إشارته.. الخؤولة يا بنتي جرته إلى مواقدها.. حتى ريمة التي كنت أرى فيها سعادتي.. خذلتني ورمتني بسهم ما زال ينهش قلبي..
كفكف الشيخ حجلان دموعه التي انسابت مدرارة على وجنتيه دون أن يدري، واستأذن بالخروج.
نظرت نوار إلى العنود نظرة غاضبة ملؤها الوعيد، وخرجت دون كلمة وداعٍ..
طوال الطريق إلى الخيمة الكبيرة كان الشيخ حجلان يمسح بكوفيته دموعاً صامتة فجّرت في ذاكرته الأحزان والمواجع، ولم يعر نوار أي انتباه لما قالته، فزاد في غضبها، وأخذت تلوك بعض الشتائم..
التفت إليها الشيخ وجرّها بعنف إلى داخل الخيمة قائلاً:
-ليس لولدي يقال مثل هذا الكلام البذيء، والله لولا المعصية لقطعتك أشلاءً.
-أنت لست رجلاً إلا علي يا شيخ حجلان؟
تلقت نوار لطمة قوية من كف حجلان أدمت شفتيها..
قال لها: اسمعي يا ابنة مناور.. عندما يأتي أبوك إلى هنا ارحلي معه.. لا أريد أن أراك ثانية.
-أتطردني؟ سأترك لك الآن كل شيء، وسأرحل إلى أمي الآن، وستندم على تصرفك هذا..
-هيا اخرجي.. أنت طالق..
خرجت نوار من الخيمة مهددة متوعدة، فجلس الشيخ حجلان، وأخرج بندقيته من تحت فراشه، وهيأها، وإذ بجزاع أمامه..
-ماذا فعلت يا عماه؟
-فعلت الذي يجب أن أفعله منذ زمن طويل.
-وماذا تنوي عمله الآن؟
-سترى غداً.
-وهل تنوي الرحيل يا عماه؟
-لا لن أغادر أرضي أبداً.
-وأنا لن أفارقك حتى آخر لحظة من حياتي.
-بارك الله فيك يا ولدي.
كان ليلاً كئيباً أمضاه الشيخ حجلان.. يفكر بعمق، ولا أحد يعرف أين سيقوده تفكيره، وكان جزاع يراقب بدقة كل سكنة ونأمة تصدر عن الشيخ.. لم تغمض عيناه خوفاً من المكيدة..
وجاء الصباح، فاستلقى الشيخ على فراشه، وأخذ يغط في نوم عميق، لم يفق إلا على صوت الشيخ مناور يهدر من بعيد.. أسرع جزاع، ووقف أمام الشيخ مناور قائلاً:
-إن عمي الشيخ نائم، وأرجو ألا توقظه.
أزاح الشيخ مناور بيده جسد جزاع، وتقدم نحو الخيمة الكبيرة..
كان الشيخ حجلان جالساً..
-ماذا فعلت يا بنتي يا شيخ حجلان؟
-ابنتك طالق يا شيخ مناور.
-بهذه السهولة تقولها يا حجلان؟
-اذهب من أمامي يا مناور، ولا تجبرني على فعل أمر لا أريده.
-ليكن في علمك بأنني أنا الشيخ هنا، وأنت محجور عليك.
-أنت الشيخ يا مناور؟!
-أجل، وقد بايعني الشيخ متعب، وكذلك الشيخ مصلح، وسترى بأم عينيك كيف سينصباني شيخاً عليك وعلى أتباعك، والويل لك إن لم تخلع نفسك أمامهما.. سأجردك من كل شيء..
-أخرج من هنا أيها القذر وإلا..
بسرعة فائقة كانت البندقية بيد الشيخ حجلان، لكن جزاعاً وقف أمامه متوسلاً:
-أرجوك يا عماه.. أرجوك.
وقف الشيخ حجلان والبندقية بيده صائحاً:
-أخرج أيها النذل، والله لأجعلنك عبرة لمن يعتبر.. أخرج أيها السافل.
خرج الشيخ مناور وعلى لسانه شتيمة قذرة، ما لبث أن وقف وتلفت نحو الشيخ حجلان قائلاً:
-سنرى بعد قليل.
***
(14)
هلّل الشيخ مناور لوصول وفد المفاليح وعلى رأسهم متعب، ووفد الصوالحة وفي مقدمتهم الشيخ مصلح، وقدمت لهما كوكبة من فرسانه تحية بالسيوف أذهلت الشيخين، ثم نحرت الجزور والشياه إكراماً لهما، لكن الشيخ متعب أبي إلا أن يرى الشيخ حجلان. قال له الشيخ مناور:
-أرجوك يا شيخ متعب لا تزعج الشيخ حجلان.. إنه يمر بأزمة نفسية حادة ولا يتقبل وجود أحد.. حتى زوجته طلقها، وابنه وابنته طردهما من القبيلة شر طردة.
-عجباً أسمع يا أبا نوار..
-هي الحقيقة.. كان الله في عونه.. البارحة أخذ يطلق الرصاص من بندقيته بطريقة عشوائية، وقد سبب ذلك هرب عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال كلياً من القبيلة.
-وما السبب؟
-هي حالة تأتيه بين الفينة والفينة، لم ينفع فيها طب ولا حيلة.. أرجوك أن تتركه، وأعدك عندما يتماثل للشفاء بزيارة إليه.
-يا حسرتا على أبي ضاري.. يا أسفاه على الرجل الحكيم..
-بكينا عليه دماً يا أبا صقر، لكن ليس باليد حيلة.
تعالي يا نوار، وقولي لعمك الشيخ متعب ماذا فعل بك الشيخ حجلان!
جاءت نوار من الخدر وهي تبكي، وتلطم وجهها قائلة:
-يا عماه منذ أكثر من شهر، وهو تارة يبكي، وتارة يضحك، وتارة أخرى يضرب، ويكسّر، ويشتم. لم يدع أحداً إلا وناله من الشمّ أقذعه، وقد شتمك أكثر من مرة، وشتم الشيخ مصلح شتيمة أستحي من ذكرها..
-ماذا تقولين يا امرأة؟
-يا عماه.. لقد جُنّ الشيخ حجلان، وقد فارقه أعز الأصدقاء لديه وهما الشيخ سطام والشيخ ناهي وأتباعهما.
-لا حول ولا قوة إلا بالله.. اسمع يا شيخ مناور.. اسمعوا يا قوم: الشيخ مناور هو شيخكم الآن، ونحن المفاليح وإخواننا الصوالحة معكم ضد أعدائكم، ولن نترككم والله لأي طامع.. أرضنا أرضكم، وخيراتنا خيراتكم.. نحن شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار.. هكذا ديننا الحنيف يقول.
عاد الشيخ متعب بعد أن ألقى خطبة عصماء على من احتشد، ما لبث أن نهض الشيخ مصلح من مكانه، وذهب إلى القوم مؤكداً مبايعة الشيخ مناور على قبيلتي الصافي والزغيب، معلناً بأنه على استعداد لإرسال كل عون من أجل أن يحيوا حياة سعيدة هانئة.
تسلل جزاع متخفياً، وسمع كل ما قاله الشيخان متعب ومصلح، ونقل الخطبتين إلى الشيخ حجلان الذي تملكه الغضب وقال لجزاع:
-الشيخان بايعا مناور وأنا موجود؟
-أجل يا عماه، ووعدا بإرسال كل عون له.
-الويل لهما.. لن يفلتا من يدي.
نهض الشيخ حجلان حاملاً بندقيته، وأطلق عدة طلقات في الجو معلناً غضبه..
سمع الشيخ مناور وضيفاه إطلاق الرصاص، وقال بهلع:
-أرأيتم، لقد تملكته نوبة الهذيان.. إنه يطلق الرصاص نحونا.
-وقف الشيخ متعب، ووقف معه الشيخ مصلح، وصمما على الذهاب إليه.. حاول الشيخ مناور أن يثنيهما عن رؤية الشيخ حجلان، لكنهما رفضا..
سار الشيخ متعب يتبعه الشيخ مصلح والشيخ مناور، وقبل أن يصلوا خيمة الشيخ حجلان صرخ بهم الشيخ حجلان قائلاً:
-أخرجوا أيها الأوغاد من قبيلتي.. والله لن تفلتوا من يدي.. سأقتلكم وأرمي بكم إلى الكلاب... هيا اخرجوا من هنا. وإن لم تخرجوا، فستنالون عقابي..
تمتم الشيخ متعب بعد أن كفكف دموعه:
-لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم..
قال الشيخ مناور لضيفيه بعد أن رجعا معه:
-الحمد لله الذي لم يقتلكما.. أرأيتما أفعاله وأقواله؟
قال الشيخ مصلح:
-خسارة كبيرة.. لكننا على ثقة بسداد رأيك يا أبا نوار.. نحن راجعان، لكن نوصيك به خيراً.
-اطمئنا.. لن يناله مكروه أبداً، وأعدكما بأنني سأبذل كل ما أملك من جهد ومال كي يشفى ويعود إلينا شيخاً حكيماً وأخاً كبيراً.
***
(15)
لم تكن الشهور التي مرّت على ضاري سريعة.. كانت بطيئة ثقيلة مفعمة بالأسى والحسرة والألم.. صحيح أنه استعاد صحته، ولكن ساقه اعوجّت، وسيره غدا مضحكاً، فكان يخجل إذا ما سار، وهذا ما ضاعف ألمه.. بكى أكثر من مرة مردداً بلوعة وأسى عميقين:
مفارق زمان الرغد والدلال
وشبيب النار صار جوفي
وقهوتي دموعي تترس الفنجال
ومعانق الحسرة سفوفي
وريمة العزيزة كحلتها من الرمال
وطروش الحزن دمع مذروفي
دحنا وتهنا ما بين الجبال
وانزع قطوب الدرب بجفوفي
ما عاد بالدنيا شمس وظلال
وظلام الليل ما مره وقوفي
أنا الحر الما يرضى بالذلال
ومقايض عيش الذل بحتوفي
وكانت ريمة تخفف من آلامه، تشد من أزره، مذكرة إياه بأنه قد شفي، وأن شفاءه هو غاية السرور، فتقول باسمة:
الحمد لله على المناجي
خالق من عشبه العلاجي
جنت بظلمه وأنت سراجي
وبشفا السبع انسرينا
بدت بيّا سنين صبري
والفرحه طافت بصدري
نذرت وراح أوفي بنذري
أوهب للمحتاجه الزينا
أنت ما زلت والله سيد الفرسان.. هذه هدوة قد جاءت إليك بالطعام ومعها هايل لا أعرف ماذا يحمل بيديه؟ انهض يا أخي لاستقبالهما.
-لا أستطيع يا ريمة.. لست أدري ماذا أصابني؟.
-إذن ابق في فراشك.
نهضت ريمة، وأخذت ما جاءت به، ثم تناولت من هايل صرة حوت لباساً لضاري وريمة، فأمسك هايل بيد ريمة، وتعانقت العيون بلهفة، بينما كانت يد هدوة في يد ضاري يعتصرها بكل الحب الكامن فيه، فارتعشت، ونهضت متثاقلة، قائلة:
-ألا تحتاجين لشيء يا ريمة؟
ذهلت ريمة لهذا النهوض المبكّر، فقالت باستغراب:
-إلى أين أنت ذاهبة؟
-أمي تجلس وحيدة بعد أن نام الصغار.
-اجلسي يا هدوة لنتحدث عن معاناة /السبع/ التي يراها معاناة حقيقية...
-صحيح يا سبع ما تقوله ريمة؟
سكت ضاري، ولم ينبس ببنت شفة، ما لبثت هدوة أن قالت: الرجل ليس بساقه أبداً.. الرجل بفعاله وأخلاقه..
نهض هايل وأجلس أخته قائلاً لها: لن نذهب يا أختاه قبل أن نقنع السبع بخطل رأيه.
-لكن أمي تنتظرني.
-قلت لك اجلسي، واعلمي أنني أنوب عن والدي في غيابه بالأمر والنهي..
أسمعت؟
-أمرك مطاع يا أخي شريطة ألا تتأخر.
رفع ضاري رأسه دهشاً، وتساءل عن أسباب ذهاب الشيخ مروّح ووجهته، فقال له هايل:
-إلى الحواملة يا أخي، أرسل الشيخ شعلان في طلبه. لقد استفحل الأمر بينه وبين الشيخ صفوك شيخ الرميح.
-ومن سافر معه يا هايل؟
-والدي لا يأخذ إلا طرماحاً، ويسميه (الجيش).
-وهل آلام ظهره شفيت؟
-لا والله.. لكنه كما ذكر لك مرة لديه آلام الأخوة أقسى وأشد من آلام الظهر، فذهب ليصلح الأخوين، ويوجه التحالفات بين القبائل نحو الخير والعطاء لا إلى الحرب والدمار.
-أريد يا هايل أن أعرف وجهة التحالفات الآن..
-الشيخ صفوك شيخ الرميح تحالف معه الشيخ مناور شيخ الصافي والزغيب ومعهما الشيخ متعب شيخ المفاليح والشيخ مصلح شيخ الصوالحة، وقد انضم إليهم الشيخ مشعان شيخ المرادة، أما الشيخ شعلان شيخ الحواملة تحالف معه الشيخ محيسن والشيخ رواس والشيخ منديل ونحن نتعاطف معهم.
-من أوجد هذه التحالفات يا هايل؟
-سمعت والدي يقول إنها من تدبير رجل خبيث اسمه مناور الذي هيمن على قبيلة الصافي بعد أن عزل شيخها الأصلي الشيخ حجلان والذي يقول فيه والدي: لقد سمعت عنه كل خير وأنه كان حكيماً.
-هل ذهب عمي الشيخ اليوم أو البارحة؟
-هذا هو اليوم الخامس له، وأنا قلق عليه، لم يتأخر في أية رحلة يقوم بها أكثر من ثلاثة أيام.
-وهل برأيك الأمر خطير؟
-الله أعلم.. الأمور متشابكة يا أخي، وهذا الشيخ مشعان شيخ المرادة ما زال يهددنا، وقد أعطته التحالفات قوة وعناداً وتصميماً.
-وماذا يريد منكم الشيخ مشعان؟
-صراحة يا أخي: إنه يريد إجلاءنا وطردنا عن أرضنا، ونهب خيراتنا، فوالدي يهدف من زيارته للشيخ شعلان أولاً فض النزاع بين الأخوة مهما كلفه ذلك من ثمن، وثانياً تحييد الشيخ شعلان في نزاعنا مع الشيخ مشعان إن لم يستطع كسبه إلى جانبنا. فالمهمة صعبة كما ترى، ولكنها لا تستحق خمسة أيام.
-كم تبعد المسافة بيننا وبين الشيخ شعلان؟
-من يسافر مع الفجر سيتناول الغداء على مائدة الشيخ شعلان.
كان ضاري يتمزق من الألم، وقد اعترته الدهشة، وتملكه الذهول.. الشيخ مناور أصبح شيخ القبيلة؟! وأين أبي إذن؟! المفاليح والصوالحة أصدقاء أبي يتحالفون مع مناور؟! الشيخ مشعان.. خالي.. ينوي طرد الشيخ مروح وقبيلته من أرضهم؟!
لماذا؟! لا.. لا يمكن أن يحدث هذا؟ اعتصر ضاري صدغيه بقوة، فصاح به هايل:
-استدعي لك الحكيم المهادي يا أخي؟
-لا. لا تخف.. إنه مجرد صداع ألم برأسي..
نهضت هدوة من مكانها، وقد آلمها تغير لون ضاري قائلة لأخيها:
-أنت الذي صدّعت رأسه يا هايل.. لمَ فعلت ذلك؟
-أنا يا أختاه؟! هو الذي سألني، وأنا أجبته.
ضحك الجميع عندما نهض ضاري، وقد اصطنع الابتسامة.. ودّعت العيون بعضها بنظرات تحمل في صفائها ما لا تستطيع القلوب حمله.
لم يكن ما أدلى به هايل سهلاً.. تأمل ضاري أخته التي كبتت صرخة، ونكّست رأسها مفكرة..
بم تفكرين يا ريمة؟
-أفكر بكل كلمة قالها هايل.. الأمر جد خطير يا ضاري، وعليك أن تتدخل..
-لا تخشي شيئاً يا أختاه سأتدخل في الوقت المناسب، فأنا الآن لا أستطيع أن أخطو بضع خطوات.. أمهليني بعض الوقت يا ريمة.
-ألم تسمع؟ الكلب مناور يعزل أبي، ويتحالف مع أصدقائه؟ والخال مشعان ينوي غزو الرجل الطيب الذي يستضيفنا؟ ماذا جرى في الدنيا يا رب؟ كلها من الأفعى نوار.. أرأيت ماذا جرَّ رحيلنا من القبيلة على أبي؟
-يا ريمة.. لا تقولي ذلك.. إن أباك ضعيف أمام نوار، وهذا ما جرّه ضعفه عليه وعلينا.
-وماذا تنوي فعله الآن يا ضاري؟
-قلت لك أمهليني بعض الوقت، وسأفعل الكثير. دعيني الآن أنام قليلاً.
-والله إن ما حدث لأبي أبعد النوم عن عينيّ، أرجوك يا أخي فكر بهدوء ورويّة.
-سأفعل يا أختاه.. والآن تصبحين على خير.
قفز ضاري من فراشه كاللديغ عندما سمع أنيناً يتسلل في سكون الليل إلى أذنيه. لحقته ريمة ذاهلة، وقالت بهلع:
-إلى أين يا ضاري؟
-ألا تسمعين يا ريمة؟
-بلى.. إنه صوت الخلوج.. وماذا في الأمر؟
-من جاء بها إلى هنا؟
ضحكت ريمة قائلة:
-عندما كنت مريضاً تهذي بالخلوج، أمر الشيخ أحد رجاله أن يجلب لك خلوجاً، فقيدها، وربطها خارج الخيمة.
اقترب ضاري من الخلوج، وأصغى جيداً إلى أنينها الذي يمزق الأكباد، فأمسك بزمامها بقوة، وقال بعد أن أطلقها من عقالها:
طابت جروحي وظلت جروح الخلوج
والفاقد الغالي يصيبه الونيني
اندمل جرحي عقب ما جان مفجوج
بقصة غريبة طافت سنيني
عهد مني عالظلم بجواد مسروج
ومناصر الحق بالعهد ديني
ثم تلفت إلى ريمة، فوجدها تبكي بحرقة، وتردد:
يا حيف صرت أوحدك
وأنت الجنت مرواس
السيف مال أبعدك
صار ابقدر منساس
مدري الدهر هوَّا أرجدك
ولا الغدر بالناس
دوّر أصيلٍ ينجدك
بالك ربع جساس
ربت ضاري على كتف أخته، وطلب منها أن ترجع إلى فراشها فالصبح يتمطى ويتثاءب.
كانت اللحظات ثقيلة مليئة بالأوهام والهواجس والعواطف على قلبه وعقله..
هل سيبقى وأخته في ضيافة هذا الشيخ الكريم لتستمر مسيرة العشق الذي أضناه؟
أم يشد الرحال إلى حيث يجب ليمنع الأذى عن حبه؟
هل يدفن حبّه الذي أخذ يتعاظم كلما لامس يد هدوة، ونظر في عينيها الدعجاوين؟
أم يظل مخلصاً لهذا الحب الطاهر، مدافعاً عن شرف القبيلة حتى ولو كان الغزاة أخواله؟
هل سيبوح لهايل وهدوة وحتى للشيخ مروّح عن حقيقة أمره؟
أم يُبقي هذا السر كامناً في قلبه الممزق وعقله المشتت؟ أمعقول أن يكون مناور شيخاً على قبيلته، ويعزل أبي، وربما يسومه الآن أشد أصناف العذاب؟
أين حنكة أبي وحكمته؟ أين الفرسان الذين لا يرضون على ذل أبي؟
ركل ضاري الهواء بقدمه وصاح غاضباً:
أشوف الدهر سوى الجدم راس
وساوى خيوطها ويّا المراس
أنا ما ظل صبر عندي ولا مراس
أريد أعدّل المايل بيديّا
تلفت ضاري وإذ بالخلوج قد عادت إليه، اقتربت منه وأخذت تئن بقوة، لامسها برفق، وتمتم بوهن: نحن غريبان أيتها الخلوج، وربما سنظل غريبين إلى ما شاء الله.
تلفت بتثاقل عندما سمع وقع خطوات خلفه، لقد كانت ريمة تسير الهوينى، تشم عبير الأرض وعبق السماء بعمق متنهدة.
-ما بك يا أختاه؟
-من جاء بالخلوج إلى هنا؟
-لا أدري والله.. على ما يبدو أنها عادت لتجد ملاذاً عندي.
-ألا ترجع إلى الخيمة لأدهن ساقك بالمرهم؟
-سأرجع فالحكيم مهادي سيأتي هذا الصباح.
***
(16)
أخذ الحكيم مهادي يفحص بمهارة ساق ضاري المتورمة والمزرقة، ففتل شاربيه الكثيفتين ضاحكاً، وقال:
-أحمد الله كثيراً، وسبّحه طويلاً يا ولدي.
-الحمد لله له الفضل، ولك الشكر أيها الحكيم.
-والله يا ولدي بين ساقك وبين البتر وقت ضئيل.
-ماذا تقول؟
-إنها الحقيقة. إنها أصعب حالة كسر مرت علي طوال حياتي. عظم مفتت، وجرح نازف، ورطوبة وعفونة..
-وكيف تراها الآن؟
-إنها بخير، وقد زال الخطر.. صحيح أن حالة العرج ستلازمك لكنك ستعتاد عليها، وستخف كثيراً عندما يزول التورم. كل ما أطلبه منك أن تستمر على وضع المرهم عليها قبل أن تنام أما في النهار فعليك بالكمادات الساخنة، وإياك وركوب الخيل أو السير في الوقت الحاضر.
-لكنني لا أستطيع أن أظل هكذا؟
-أيام فقط ويزول التورم وترحل الزرقة عن ساقك.
-سأحاول قدر جهدي أيها الحكيم.
جاءت هدوة حاملة طعام الإفطار، ووضعته أمام ضاري، ورشقته بسهام عينيها قائلة:
حمداً لله على سلامتك يا سبع. كيف تراه أيها الحكيم؟
قال الحكيم مهادي مفاخراً:
أنا يابنتي والحمد لله لم أخسر معركة في ساحة الطب أبداً. اسألي كل شيوخ القبائل، سيأتيك الجواب بأنني نعمة وهبها الله لكم. غداً سأكون إن شاء الله في الطريق إلى قبيلة الشيخ مناور، لقد طلبني ذلك الشيخ لأعالج شيخاً من القبيلة قد كسر حوضه..
سرت في جسد ضاري قشعريرة ارتجف من هولها، فقال له بلهفة: ألم يذكروا لك اسم ذلك الشيخ المكسور؟
-لا يهمني الاسم قدر ما تهمني الحالة.. لكن قيل لي أنه كان صهراً للشيخ مناور..
ارتجفت ريمة، وقد أمسكت رأسها بكلتا يديها، وحاولت أن تكتم صرخة لكنها لم تستطع، فصوتت راجفة، وحملقت عيناها، وتشنجت أناملها.
فزع الحكيم مهادي، وصاح:
-ما هذا؟ إن حالتها تستدعي المعالجة فوراً.
أخرج الحكيم من خرجه زجاجة شراب، واقترب منها قائلاً:
-اشربي يا بنتي قليلاً منه، فإنه يسكّن الألم، ويهدئ الروع.
صاحت ريمة وهي ما تزال تمسك رأسها، والدموع تنهمر من عينيها مدرارة:
-لا أريد شراباً.. لا أريد أيها الحكيم.
-لكنه ضروري، هيّا اشربي قليلاً منه الآن.
نظرت هدوة إلى ضاري مستغيثة فصاح بأخته، والألم يعتصره:
-ريمة يجب أن تشربي الدواء وإلا غضبت عليك.
سكنت ريمة، وشربت قليلاً من الدواء، فطلب منها ضاري أن تخرج مع هدوة خارج الخيمة ريثما يستكمل علاجه..
أسندت ريمة رأسها على كتف هدوة، وخرجتا..
وقف ضاري على قدميه قائلاً:
-أيها الحكيم.. إن هذه المنطقة تؤلمني كثيراً، وأشار إلى منطقة ما فوق الكعبين بقليل.
ضحك الحكيم مهادي قائلاً:
-إنها المنطقة الصعبة، وشجاعتك في تحمل الألم تجعلك خلال فترة قصيرة معافى إن شاء الله، ولكن أريد أن أسألك: هل سبق لأختك أن جاءتها تلك الحالة من التشنج والرجفة؟
-لا.. إنها أول مرة، ولعل السبب في ذلك برد الليل، إنها لم تنم ليلة البارحة.. كانت تتأمل السماء وتدعو لي.
-لا أعتقد يا ولدي.. على كل انتبه إليها، وسأزوركما مساءً لأطمئن عليكما قبل السفر.
-ومتى السفر يا عماه؟
-مع الفجر إن شاء الله.
-وهل ستطول غيبتك؟
-الله أعلم يا ولدي
-وهل تعرف الشيخ مناور أيها الحكيم؟
-لا والله، ولم أسمع به، ولا يهمني ذلك أبداً.
-ترجع بالسلامة إن شاء الله، وأرجو ألا تطول غيبتك.
-سلمت يا ولدي. سأعود مساءً.
خرج الحكيم مهادي وهو يفكر بحالة ريمة التي أذهلته، فالبرد لا يؤدي إلى ما آلت إليه، وظل يبسمل ويحوقل حتى غاب عن الأنظار، فهرولت هدوة إلى ريمة، وعادت بها إلى الخيمة، وهي تتساءل:
-ماذا حل بالحكيم؟ فقال لها ضاري ضاحكاً: حالما ينتهي مني يبدأ بأختي.
-لن يصيبكما إلا الخير.
-أنا على ثقة يا هدوة طالما أنت تقفين إلى جانبي.
أخفضت هدوة رأسها استحياءً، وابتسمت، وقالت:
-ألا تريد شيئاً؟
-أريدك دائماً إلى جانبي.
-كما تشاء شريطة أن تلتزم بتعليمات الحكيم المهادي، واعذرني الآن، فأمي تنتظرني.
-حماك الله ورعاك يا هدوة.
كانت ريمة قد انزوت في ركن بعيد عن الخيمة تفكر.. ناداها ضاري بصوت عال، فجاءت مسرعة.
-كدت أن تكشفي أمرنا يا ريمة. ماذا دهاك؟.
-ليس بيدي يا أخي.. إنه أبي.. أبوك يا ضاري؟!
-أعرف جيداً. لكن ليس هكذا تعالج الأمور؟
اسمعي جيداً إن رأيت أنك لا تستطيعين الاستمرار معي، فسأرسلك مع الحكيم المهادي إلى أبيك.
-لا. لن أعود إلا برفقتك، ونشجت ريمة طويلاً.
-إذن الزمي الصمت، وتشجعي، واسمعي:
الحي بإذن الله مالو جتال
وكل شيء بأمر الخالق يصير
ما يهلك الله زين الأعمال
وإن شاء ربي إنه بخير
وجبدي يا خيّه يشبه الغربال
نكبات الدهر أشقت الطير
لا تبجي قبالي دمع همال
واللي بحالتي ما يقدر يحير
-صبر جميل وبالله المستعان يا أخي.
أخذ ضاري يقلب الأمور على كافة وجوهها، فكسر الحوض ليس سهلاً. إن أبي قد يصبح عاجزاً، ونوار ستتركه إن لم تكن تركته، فهل يا ترى العنود ما زالت في القبيلة؟ أم أن أباها قد استردها؟ ليتها تظل لتعتني بوالدي.. إن حدسي يؤكد أنها ما زالت هناك لم ترحل مع أبيها. يا رب ساعد أبي في محنته.
أصوات وجلبة كبيرة في الخارج جعلت ضارياً يصيح بريمة:
-انظري يا أختاه ماذا حدث؟
-إنه الشيخ مروّح وهايل وطرماح في طريقهم إلينا.
نهض ضاري، واستعد لملاقاتهم، وعندما تأمل وجوههم شعر بانقباض غريب، ودوار يعبث برأسه.
-حمداً لله على سلامتك يا عماه.. غيابك أقلقنا والله.
-حمداً لله على سلامتك أنت يا ولدي. والله لم تفارقني أنت وأختك في حلي وترحالي، وكنت على ثقة أكيدة بالحكيم المهادي وقدرته العجيبة في تجبير الكسور، ومعالجة الجروح البليغة، وها أنت والحمد لله تعافيت. حدثني الآن عن أخبارك.
-أنا و أختي بخير طالما نحن عندك، وأنت يا عماه الذي سيحدثني عن رحلتك إلى عرب الشيخ شعلان، أتمنى أن تكون قد وفقت في مساعيك الحميدة.
جلس الشيخ مروّح إلى جانب ضاري، وقد تملكه الهم، أما هايل فجلس منكّساً رأسه، يتشاغل كذباً بطرف كوفيته..
-ما بك يا عماه؟!
-لقد لبيت دعوة الشيخ شعلان شيخ الحواملة الذي أكنّ له كل حب وتقدير، حدثني عن التحالفات التي أُعلنت ضده، وضدي.
-ضدك وضده؟!
-نعم يا ولدي. ذهبت إلى الشيخ صفوك، ورجوته أن يكون في حل من هذا التحالف الشرير، فوعدني خيراً مقابل أن أكفيه شر الشيخ شعلان، ولما قلت له إن أرضي بما حوته من ماء ومرعى هي تحت تصرفه ابتسم، وقال الآن سأتصالح معه.
قلت له: إن المرادّة قوم الشيخ مشعان ينوون غزونا، فأجاب: ليس لي قدرة على مواجهته اعذرني فأنا على الحياد.
-وماذا تنوي فعله يا عماه؟
-سأعتمد على الله وعلى فرساني. لن أهاجم أحداً، وسأكون في موقف المدافع عن نفسه وأهله، وسأرسل في طلب أخوال هايل شيخ المحيسن لينضموا إلينا، فمراعينا ومياهنا والحمد لله وفيرة.
قال هايل متنهداً:
-لن يوافقوا يا أبتي، وأراهن على ذلك.
-سيجبرون على ذلك يا ولدي. أنا على ثقة، لأنهم محسوبون على قبيلة الشيخ شعلان.
قال ضاري مستغرباً:
-هل توجد مشكلة بينكما؟
صمت الشيخ مروّح، وحدق في دقائق التراب طويلاً، ثم رفع رأسه عالياً، وقال:
-كل المشكلة يا ولدي أن الشيخ محيسن خال هايل أراد ابنتي هدوة لولده /منادي/ ولم ألب طلبه.
صمت ضاري والتقت عيناه عيني هايل الذي قال بخبث:
-لو عرفت منادي يا أخي لفصلت رأسه عن جسده. إنه شرير، وقاطع طريق، ولا يتورع عن ارتكاب أية حماقة تروي غرائزه وغروره.. عندما جاء مع أبيه إلينا كان يتحدث مع أبي باستعلاء، وكان أبوه يستحسن كلامه، كما كان راضياً عن أفعاله. قال لأبي وقتذاك:
-اسمع يا أبا هايل.. عليك أن تفخر بي، ولقاء ذلك فعليك أن تدفع لابنتك عندما تزف إلي كل نصيبها من الشياه والإبل لا آمن أن يكون نصيبها في القبيلة...
ضحك والدي عندما أنهى منادي حديثه قائلاً:
اسمع يا منادي: أفخر بك عندما تكون رجلاً شهماً كريماً، وأرى أنك لم تبلغ مبلغ الرجال الشرفاء. ما زلت غلاماً حتى في طريقة حديثك معي، وابنتي لا ترغب في الزواج إلا من رجل، أفهمت يا بني؟
صاح الشيخ مروّح بولده قائلاً: يا بني لا داعي لمثل هذا الكلام.. إكراماً لأمك إن جاء إلينا سنحسن وفادته، وإن لم يأت نكون قد فعلنا ما أملاه الضمير والوجدان علينا. وقف ضاري قائلاً:
-يا عماه.. أنت طيب القلب، عظيم الخلق، وأمثالك يجب أن يبقوا صامدين في وجه كل النوائب، فالله لن يضيعهم.. أمهلني بضعة أيام سأكون في خدمتك، وسأدرب فرسانك على فنون القتال واستخدام السلاح، وستجدهم إن شاء الله أسوداً يرفعون الضيم عن قبيلتهم، وعن كل مظلوم في أي مكان توجههم إليه.
-بارك الله فيك يا ولدي. آمل أن تشفى بسرعة وسأراك كما حدثتني عنك ريمة..
-ماذا قالت عني ريمة يا عماه؟
-سلها فستجيبك.. أستودعك الله..
ما أن رحل الشيخ مروح وهايل حتى أمسك ضاري كتف ريمة قائلاً:
-ماذا قلت للشيخ مروح يا ريمة؟
-قلت له كل الخير يا أخي، وستكون حتماً فارس الفرسان، وعلى يديك ستكون نهاية كل ظالمٍ وغادر.
تصبب العرق غزيراً من وجه ضاري، وخرج من الخيمة يجرّ قدميه جرّاً، فلحقت به ريمة قائلة:
-ارحم نفسك يا أخي، وإن لم تعد، فسأخبر الحكيم مهادي.
توقف ضاري وساءل نفسه: ترى أين أنت أيها الحكيم؟ لقد مضى زمن طويل على ذهابك..
صاح ضاري فجأة: ريمة.. ريمة.. أرسلي إلى رماد أريده أن يتقصى لي أخبار الحكيم المهادي إني بحاجة إليه.
-كما تشاء يا أخي، ولكن عليك أن تعود إلى فراشك الآن.
رجع ضاري إلى فراشه.. تصبب العرق من وجهه بغزارة، وأخذ يئن أنيناً متقطعاً.. لفّ رأسه بإحكام في كوفيته، وشعر بدوار غريب، فاتكأ على الوسادة، ونام نوماً قلقاً..
كانت ساقه تؤلمه، رغم أن الورم قد غادرها إلا من منطقة العرقوب، وكان يشعر أن ساقه قد تشفى بعد بضعة أيام، وأن السير الطويل يؤلمه.. إذاً عليه أن يمكث في الفراش، ولا يغادره إلا لحاجة، ليستطيع أن يؤدي دوره على أكمل وجه في مواجهة المتاعب التي يتعرض لها الشيخ مروح..
لا يعرف كم ساعة من الوقت استغرق نومه لأنه عندما فتح عينيه كان الحكيم مهادي جالساً بجانبه، وقد تشاغل بخلط بعض الأدوية.. رفع رأسه بقوة عندما رآه قائلاً:
-لم تأخرت أيها الحكيم؟
-كان لا بد لي من البقاء حتى نجاح تجبير الكسر.
-وهل كان الكسر في عظم الحوض كبيراً؟
-أتدري يا ولدي؟ والله لولا توفيق من الله سبحانه وتعالى، وقوة تحمل ذلك الشيخ لما نجحت، يا الله ما أشد عزيمته! ما أقوى إرادته! وما أعظم كبرياءه وشموخه! وما أقواه في مواجهة المصاعب! لقد ذكرني بك والله.
-ألم يكن له زوجة ترعاه؟
-لا لقد طلقها، فهي السبب في كل آلامه ومعاناته.
-ومن يرعى شؤونه إذن؟
-خادم يدعى جزاع وزوجته. جزاهما الله كل خير.
-وكيف تركته؟
-لا أخفيك يا ولدي إنه يحمل الآن من الهموم ما تنوء عنها الجبال.. كان يحدثني حديثاً أبكاني والله.. فقد ذلك الشيخ ولديه وزوجته وثروته وشيخته وكل ما يملك، وهو ليس أسفاً على المال والحلال والشيخة.. أتعرف ماذا قال لي:
-ماذا قال يا عماه؟
حسيتني بن بلا هيل
وحسيت روحي يتيمه
البارحة ما نمت بالليل
فاقد عيون ضاري وريمه
ولادي وفراقهم هدهد الحيل
وعقبهم بلا حشمة وقيمه
نوبه أموت ولا أجد تعليل
وعبرات نوبه تلفي بهيمه
ما أريد الينشف دمعي بمنديل
مناتي العوجه ضاري يقيمه
-كان الله في عونه. وماذا حدث للشيخ مناور؟
-قال لي أرجوك أن تبذل قصارى جهدك لشفائه رغم ما بيني وبينه.
-ألم يحدثك عن سبب كسره؟
-بلى، قال إنه حاول الهرب، فامتطى صهوة فرسه، ولكن أحدهم عاجله بطلقة نارية كسرت ساق الفرس، فكبت، وقذفت الشيخ على صخرة سببت له هذا الكسر، والآن حدثني عن أحوالك.
-كما تراني أتماثل للشفاء بفضل الله، وبفضل رعايتك وعنايتك.
-الحمد لله.. لكنني أراك مهموماً، وفي عينيك ألف سؤال؟
-همي الآن أيها الحكيم ذلك الخطر المحدق بالقبيلة من جراء التحالفات الجارية الآن بين القبائل.
-لا تخف على الشيخ مروّح.. حاولت بعض القبائل منذ سنين إزعاجه فلم تفلح.. استطاع بأخلاقه وكرمه وعدله أن يحصن قبيلته. أنت لا تعرف الشيخ مروح جيداً. اسألني أنا.. إنه من خيرة رجال البادية، وكان الله معه دائماً لأنه لم يؤذ أحداً بل على العكس له أياد بيضاء على كل من عرفه، وعاش في حماه. هذا المال والحلال الذي تراه بين يديه ليس له.. إنه لفعل الخير.
-لكن الوضع هذه المرة مختلف أيها الحكيم؟
-ماذا تعني يا ولدي؟
-هناك خطة مدبرة لغزو هذه القبيلة، وإجلاء أهلها منها، والاستيلاء على خيراتها بالقوة.
-لن يستطيع أحد... لأننا سندافع جميعاً عنها، سنضحي بكل ما نملك من أجلها، سنحمل السلاح في وجه الغزاة الطامعين، فالشيخ يملك مستودعاً لأحدث أنواع الأسلحة كما أعلم، وسيمتلك كل فرد من القبيلة قطعة سلاح يدافع بها عن أرضه وعرضه.. لا تخف يا ولدي؟
-أيها الحكيم: كنت دائماً الفارس الأول في قبيلتي، وقد وهبني الله قدرة فائقة على استعمال السلاح، والكر والفر وخداع الأعداء وقيادة الفرسان نحو النصر، ألا أستطيع أن أؤدي خدمة لكم؟
-ليس الآن يا ولدي.. ربما بعد بضعة أيام، وسأكون أول الفرسان الذين يتلقون على يديك فنون القتال.. ما زلت أحسن التسديد والقنص.
-بك الخير يا عماه..
-والآن عليك أن ترتاح قليلاً، لأن لدي أعمالاً أخرى، سأذهب لأدائها.. استودعك الله.
ما إن خرج الحكيم مهادي، حتى علا صوت ريمة بالبكاء..
-كفي عن البكاء يا ريمة.. لا تفضحينا.
-أما سمعت الحكيم مهادي؟!
-سمعت كل كلمة، فاصبري يا أختاه.. لن يطول الأمر، علينا الآن أن نحمي الشيخ مروّح من الخطر، فلن أسمح لأحد أن يمسّه بسوء مهما كان مصدره، ووالله لو اضطرني الأمر لقتل خالي وأولاده، فسأفعل من أجل أن يظل الخير والحب والوفاء خالداً.. من أجل أن يظل الشيخ مروّح شامخاً.. أفهمت؟
- فهمت ما تعني يا أخي.
-امسحي دموعك إني أسمع صوت هايل يقترب منا.. هيا بسرعة..
تنحنح هايل قبل أن يدخل الخيمة. وقف ضاري على قدميه وصاح بأعلى صوت:
-تفضل يا هايل..
جلس هايل بالقرب من ضاري، وقال:
-ماذا قال لك الحكيم مهادي؟
-قال خيراً إن شاء الله.
-حمداً لله على سلامتك.
ألقى هايل بسرعة نظرة على ساق ضاري، ولامسها بأنامله...
-هل تشعر بألم؟
-لا
نقّل هايل أصابعه حتى وصلت إلى صدره..
-ألا يوجد ألم هنا؟
-لا. لكن خلف الأضلاع معارك لا تنتهي.
ضحك هايل، واحتضن رأس ضاري، وقبّله..
-لن تكون هناك معارك، بل سيكون الحب والوداد يا أخي.
ألقى هايل نظرة عجلى على وجه ريمة، فرشقته بنظرة تغني عن الكلم.
تنبه ضاري، وطلب من ريمة أن تجلس بجانبه، ففعلت. قال ضاري: إن في عينيك يا هايل حكاية، أفصح عنها يا أخي.
نكّس هايل طرفه، ولم ينبس ببنت شفة.
-ما بك يا هايل؟! أراك ساهماً؟
-لا شيء يا أخي يكدر الصفو سوى الخوف من عدم تحقيق الأحلام.
-حدثنا إذن عن بعض أحلامك.
-أخشى من الفشل يا أخي.
-لا تخش شيئاً، قل ولا تخف.
-كل ما أحلم به يا أخي أن تكون ريمة حليلة لي على سنة الله ورسوله.
-هذه مفاجأة لي يا هايل. على كل هذه ريمة تسمعك والرأي رأيها.
وقفت ريمة، وأخذت تعبث بظفيرتها، وقالت:
-اسمع يا هايل.. والله لن أجد من هو أفضل منك زوجاً، فإن أردتني سداداً لدين طوق أعناقنا منذ أشهر، فها أنذا بين يديك، وإن أردتني عن حب وغدٍ آمن، فتمهل، أمامنا حلم لم نحققه بعد..
-لا يا ريمة.. والله ما أردتك إلا عن حب وغدٍ آمن، وأنا طوع يديك وأمرك.. كل ما أتمناه الآن موافقتك.
وضع ضاري يده بيد هايل قائلاً:
-لن تكون ريمة إلا لك، فأرجو أن تتمهل كما قالت لك.
-سأنتظر، وشكراً لكما، والله إني أرى نفسي الآن أسعد إنسان في الدنيا..
-يا هايل نحن أسرة واحدة، ولن تفرقنا الأقدار إلا بالموت.. ثق بي يا أخي، واسمعني جيداً: الخطر ما زال يهددنا، وقد أنعم الله علي بقدرة على القتال، ومعرفة بفنونه، أرجوك اجمع لي الفرسان منذ صباح الغد كي أقوم بتدريبهم.
-لكن ساقك لم تبرأ بعد؟
-لا تخف.. سأكون غداً بخير إن شاء الله.
-سأشاور أبي في الأمر، وسأنفد رغبتك. اطمئن.
***
big love
06 - 08 - 2009, 03:06 PM
(17)
لم يوافق الشيخ مروّح على طلب ضاري إلا بعد شفائه تماماً، وضمانة الحكيم مهادي ومرت الأيام بطيئة ثقيلة، وكانت المفاجأة أذهلت الشيخ والحكيم ووجوه القبيلة لما أبداه ضاري من براعة في الفروسية وفنون القتال واستخدام السلاح.. فارس في الكر والفر، ومقاتل شجاع يحسن الطعن والمراوغة. تمتم الشيخ مروح وهو يراقبه:
-صدقت ريمة والله في كل كلمة قالتها عنه.
كان هايل يتلقى التدريب على يدي ضاري، وكان الحكيم وطرماح ورماد وحتى الشيخ مفوز وكثيرون.
وقعت عينا ضاري على فارس في القبيلة يمتلك مقدرة عجيبة في الاستيعاب والتطبيق، فرآه أهلاً لأن يكون نائبه في الملمات.. إنه الفارس (وردان)
كان وردان شاباً في مثل سن ضاري، لكنه بعين واحدة، فقد عينه في رحلة قنص، وكان يميل كوفيته ليغطي عينه المفقودة، ويطلق صيحة تفزع المقاتلين عندما يقاتل..
صيحة قال عنها ضاري مرة: إنها بألف رصاصة.. إنها تدب الرعب في أصلب المقاتلين عوداً.
مرت الأيام والليالي وضاري يدرب الفرسان صباح مساء.. صاح به هايل مرة:
-ارحمنا يا أخي لقد أنهكتنا، وقطّعت أنفاسنا..
وكان الشيخ مروح يرد:
-لا ترحمهم يا ولدي، ولا تسمع كلامهم.. لئن يسقطوا إعياءً على يديك خير من أن يتساقطوا على أيدي الأعداء..
فيجيب ضاري:
-خسئ العدو، ولا كنت والله إن استطاع أن يقهركم.
-يا ولدي إن عدونا تحالف مع قبائل فرسانها يفوق عدد فرساننا عشرات المرات.
-يا عماه ليس النصر بالعدد.. المهم عندي إرادة القتال، وحب التضحية والفداء، ولك علي بأنني سأدرب حتى الأطفال لأجعلهم أبطالاً.
-بارك الله فيك يا ولدي، لن ننسى صنيعك أبداً.
-لا يا عماه.. أنا المدين لكم بحياتي وحياة أختي، ولن أستطيع سداد هذا الدين ما حييت.
-لا تقل هذا يا ولدي فو الله أنت لدي في منزلة هايل، وريمة أخت هدوة، لقد أنعم الله علي بكما، وسأشكره كل يوم على هذه النعمة الكبيرة التي وهبني إياها..
والآن هيا يا ولدي أطلق سراحهم، أريد أن أحدثك وهايلاً حديثاً خاصاً.
-سمعاً وطاعة يا عماه.
بعيداً عن الخيام، وعل رابية خضراء جلس الشيخ مروح وجلس أمامه ضاري وهايل.
تنهد الشيخ مروح، وأخذ يخط بعصاه على الأرض خطوطاً تدلل على مدى قلقه.. قال بعد لأي:
-اسمعا جيداً ما أقوله:
لقد وردني خبر مفاده أن محاولات تجري لإجبار الشيخ شعلان للانضمام إلى تحالف الزغيب والمفاليح ضد المحيسن وضدنا.
-ألم يعدك الشيخ شعلان بالوقوف على الحياد يا عماه؟
-بلى ولكن أخشى أن تكون الضغوط قد حاصرته، فغيّرت قناعاته..
وقف هايل قائلاً:
-ما رأيك يا أبي أن أذهب إليه لأقف على الحقيقة؟
قال ضاري:
-يا عماه إني أرى أن ترسل إليه وفداً يرأسه الشيخ مفّوز، ويضم كلاً من هايل ووردان واثنين آخرين تختارهما من وجوه القبيلة.
-لا يا بني.. سأذهب إليه بنفسي مع طرماح ولا أحد سوانا.
-لكن في ذهابك خطر عليك.
-لا تخف يا بني علي، فإن أصابني مكروه سيكون هايل في مكاني، وأنت لن تتخلى عنه، أليس كذلك يا ولدي؟
-بعد عمر طويل.. لن يستطيع بإذن الله أن يمسك أحد بسوء، سر على بركة الله، ونحن بانتظارك.
-سأرحل مع طلوع فجر غد إن شاء الله، ولن أتأخر أكثر من ثلاثة أيام، وأطلب منكما أن تستمرا في التدريب ورعاية شؤون القبيلة، وسأعطيك الليلة مائة قطعة سلاح مع ذخائرها. درّب الفرسان على فك السلاح وتركيبه، وضع لكل فارس دريئة.. أريدهم أن يحسنوا القنص، ويمتلكوا دقة التسديد..
-أحتاج يا عماه أكثر من مائة قطعة سلاح.
-سأعطيك كل ما تحتاجه لدى عودتي إن شاء الله سالماً.
أنهى ضاري تدريبه المسائي، وعاد إلى خيمته عند المغيب.. لقد شعر بالتعب يطغى على جسمه ورأسه، وما إن دخل الخيمة حتى وجد هدوة وأمها وريمة يشربون الشاي بالقرب من فراشه، فصاح فرحاً:
-العمة رمثة.. هدوة.. أنا محظوظ الليلة.. يا هلا ومرحباً بكما..
اقتربت زوجة الشيخ مروّح من ضاري قائلة:
-يا ولدي.. لم يرزقني الله سوى هايل وهدوة وطفلتين صغيرتين ولكنني اليوم أنا أم لك ولريمة. أنا السعيدة بكما، وإن أمّد الله في عمري سأقيم لأولادي الأربعة (هدوة وريمة وهايل وأنت) فرحاً واحداً ستتحدث عنه البادية سنين طويلة..
-شرف كبير يا عمتي أن تكوني لنا أماً.. نحن فقدنا حنان الأم منذ سنين.
-هل يعني يا ولدي أن أمك ماتت؟
-ماتت رحمها الله وطيّب ثراها ونحن طفلان.
-ألم يتزوج أبوك؟
-تزوج مؤخراً فتاة سببت له الويلات.
-من هو أبوك يا ولدي؟
-ستعرفين فيما بعد، وستعرفين من نحن، وستفخرين بنا.. نحن والله من منبت طيب.
-هذا واضح يا ولدي، وهو الذي يدفعني لأن نكون في المستقبل أسرة واحدة.
-وقبيلة واحدة بإذن الله.
-أريد أن أسألك يا ولدي: ما سر الخلوج؟
-الخلوج يا عمتي بالنسبة لي ليست أنيناً يمزق نياط القلب، بل أملاً يتجدد كل هنيهة باللقاء.
-اللقاء بمن يا ولدي؟
-بالخير والعطاء والوفاء بكل ما هو جميل في هذه الحياة.
-حديثك جميل يا ولدي كحديث أختك، ولو أني لم أفهم منه شيئاً، سألتقيكما مرة أخرى لأستمتع بروعة حديثكما، هيا يا بنتي لندع الفارس يرتاح من عناء التعب.
وقفت هدوة أمام أمها متوسلة:
-ألا تدعيني أرى ريمة قليلاً؟
-سترينها كثيراً يا بنتي، لقد أصبحتِ ابنتي يا ريمة أليس كذلك؟
أجابت ريمة، والبسمة تكلل شفتيها النديتين:
-أجل يا عمتي.. أجل..
قال ضاري لريمة بعد أن رحلت هدوة وأمها:
-أتعرفين يا ريمة لِمَ جاءت أم هايل إليك؟
-قبل أن تأتي يا أخي كانت تحاول بطريقة وبأخرى معرفة من نحن؟ فكنت أجيبها شعراً.
-ولِمَ تلح في معرفة من نحن؟
-كل أم في الدنيا تود معرفة كل شيء عن الفتاة التي ستكون زوجاً لولدها هذا هو تخميني، فما هو رأيك؟
-أحسنت يا أختاه لكنك تركت في قلبها حسرة.
-لمَ يا أخي؟
-لأنك لم تفصحي لها عن أصلك ونسبك.
-صدقني يا أخي إنها عرفت أصلنا جيداً.
-وكيف عرفت ذلك؟
-لقد عرفتنا جيداً، لكنها أرادت أن تطمئن أكثر.
-إذا كان فعل المرء يدل على أصله فقد عرفتنا، أما إذا كان خلاف ذلك فلا أعتقد.
-لست أدري لكنني أشعر شعوراً آخر.. ربما أكون مخطئة، وأتمنى ذلك.
***
(18)
دم يراق، وأحلام تسفح على بوابة الحرمان.. آمال تتبدد، وهواجس تتقاذفها الخيام.. الثأر والانتقام والحقد يغلي في مرجل الغضب منذ أيام.. اليباس يعمّ الأرض، ويطغى على النفوس، والضحايا جيف تتقاذفها الرياح من مكان إلى مكان..
الشيخ حجلان يرى بأم عينيه أحداث الزمان، فيهزّ رأسه المثقل بالهموم والأحزان، يناجي الغيمة بحنو وعيناه تدمعان.. يتذكر ولديه فينشج بصمت وينادي:
يا رب ثقلت خطايانا، وناءت بنا الأوزار.. خفف علينا رحاها، والطف بنا في لحظات الضعف والخوار.. من لنا غيرك يا رب إن جرفنا التيار.. من لنا غيرك يا رب، إن وهنت النفوس ووئد الإحساس..
أيام ما مرت مثلها أيام
وأيام بيها صابتني الوساويس
أحييت ليلي والفنجان ما نام
واشفق على الهيل من نار المحاميس
وأحس النفس محكوم بإعدام
ولا جان بالضنات هودج وعيس
ما خفت أنا الثعبان سمه السام
خوف الخوي التفذيه الأحاسيس
خايف يهل الضيم من داني العمام
وضيم القرابه للعين تفقيس
وكان يمر عليه من آونة لأخرى رجل كهل، وفي آخر مرة وقف مرتجفاً دامع العينين يهزّ بعصاه يمنة ويسرة، واقترب من الشيخ حجلان قائلاً:
النا النواصي خيل يا حجلان
وقصص بعضهن ما بها خير
عقب ما جنت ويا الخلان
أقصيت ضاري وأخته بتهجير
لذع الجمر يا دمعة الندمان
ولا يجيب الدمع فال كالطير
نفيت السند يوم المحان
ورافقت البيها طبع شرير
وما إن انتهى الكهل من قصيدته حتى صاح به الشيخ حجلان ناشجاً: كفى... دخل جزاع الخيمة لاهثاً، واقترب من الشيخ حجلان قائلاً:
-عماه.. قُتل هواش ولافي على يد صقر.. إنه يثأر لك.
-ما كان له يا ولدي أن يفعل ذلك، فنوار لن تهدأ حتى تأخذ بثأرها.. أعرفها جيداً. إنها حية رقطاء تنفث سمها في كل اتجاه بعد أن كانت ريحانة تنثر عطرها في كل مكان.. لا أعرف ماذا أصابها؟
-الأصل يا عماه.. ما كان لك أن تتزوجها، ألم تسمع الكهل ماذا كان يقول:
البيض موكلهن عذبات
وبياض العين ما حدا يتمناه
والطول حلو لو بارى الجدايل
وطويل اليد سارق مسماه
والدنيا يا حجلان مليانه
واللي يحده الظما يقصد الماه
-صدق يا ولدي.. صدق والله.. إنها خضراء الدمن لم أحذرها.
كان الشيخ حجلان يتماثل للشفاء إذ منَّ الله عليه بحكيم لم تشهد له البادية مثيلاً.. إنه الحكيم المهادي.. و ها هو اليوم وقد يبس الجرح ودبت في العظام حركة عرجاء يحمد الله الذي شافاه من جرح الجسد، ويتوق لأن يشفى من جراحات النفس والروح..
قال له جزاع، وهما يأكلان طعام الغداء:
-يا عماه سمعت أن مناوراً دعا الفرسان لوليمة في خيمته.
-لا يا ولدي.. إنها نوار التي دعتهم لوليمة الثأر، ليتك تذهب إليهم، وتحذرهم من المكيدة.
-سأذهب يا عماه في الحال.
لم يستطع الشيخ حجلان أن يأكل المزيد رغم إلحاح العنود، كان ينظر إلى الأفق المتجهم بعينين كليلتين، فيرى نواراً شعلة نار تحرق بيادر النجوم، أشاح وجهه بعصبية لكن طيفها لم يفارقه. كانت يداها ملوثتين بالدماء، تضحك بعهر، وتبتسم بقهر، وتقترب منه محاولة الإمساك بالشرايين، وكانت تلاحقه أينما اتجه، فصرخ بأعلى صوت:
لا.. لن تستطيعي..
ذعرت العنود من صراخ الشيخ حجلان، واقتربت منه بحذر. تنبه لوجودها فقال لها:
-أعطني ماءً يا بنتي.
ما كان الماء كافياً لإطفاء جذوة تشتعل ومرجل يغلي.. نوار ليست امرأة عادية.. إنما هي استثناء في زمن القحط.. فتاة تربت على الخديعة والغدر، ونمت وترعرعت طامحة لامتلاك المستحيل، وفي لحظة قنص كان لها ذلك.. فتاة لم يرو شبقها تهالك السنين في جسد شيخ يملك كل شيء، إلا شيئاً واحداً تنشده هي دائماً، وتمرغ كبرياءها على عتباته.. هي عندما ركعت عند قدمي ضاري كانت تعرف أنه يملك كل شيء،وأهم شيء عند الرجل والمرأة معاً، لكنه ركلها بقدمه، وطردها، فقالت له: سنرى من بالغد يطرد يا ضاري؟
استطاعت بما تملك من أسلحة فتاكة أن تجعل قلب الأب الحنون صخرة صلبة تكسرت عليها كل عواطفه وأحاسيسه ومشاعره، فطرد ولديه دون أن تقول له اطردهما، بل على العكس لامته على ذلك، كانت تتوق إلى رؤيتهما ذليلين خانعين مقهورين.
نوار أفعى كما كان يحلو لجزاع أن يسميها.. ومن يقتل فراخ الأفعى فلا بد له من أن يتجرع سمها..
كانت ليلة ليلاء عندما قتل /هواش ولافي/ الركنان الأساسيان في مملكتها الصاخبة المتمردة، فشعرت أن مؤامرة كبيرة تحاك ضدها، وأن معاول كثيرة تسعى لهدم مملكتها.. فكيف تدعها نوار تنهار، وهي التي ضحت بكل شيء من أجل تثبيت دعائمها؟
قالت لأبيها: أدع الفرسان إلى مجلسك لمناقشة عدد من الأمور الهامة.. وعندما قال لها: ليكن ذلك بعد إجراءات الدفن والانتهاء من مجلس العزاء صرخت في وجهه بصوت عال: لا.. لن يدفن هواش ولافي وحدهما..
كان الفرسان على درجة عالية من الحيطة والحذر قبل أن يبلغهم جزاع رأي الشيخ حجلان.. تدارسوا الأمر باهتمام، وقرروا ألا يذهبوا كلهم إلى المجلس بعد طول نقاش، قسم يذهب، وقسم يتخفى بحجة القنص، فمن سيذهب منهم إلى رحلة الموت؟
كانوا أربعة أصروا على الذهاب وهم: (هنيدي وحريي ومسعود وامريحي) واستعدوا لرحلة الموت، ولم يقتلوا دون ثمن.. لقد قُتلوا، وقتل معهم (شيحة وصويج ودريهم وختيلة وعفين، وطعن الكماز).
إنها مجزرة متوقعة، لكن نواراً وحدها التي لم تتوقع مقتل أمها ومقتل أربعة فرسان وطعن الخامس.. فكيف تعالج الأمور، وأبوها فقد عقله ليس من أجل مقتل فرسانه، وإنما من أجل شيحة زوجته التي رافقته في مكائده وغنائمه وخيباته؟..
على نوار أن تجد له البديل وبأسرع وقت ممكن، بديل يضمن لها الهيمنة ومداواة جراحاته.. ,عليها أن تجد لنفسها ما يرضي طموحها، ويحقق لها مآربها ويروي شبقها علها أن تجد رجلاً يكون نداً لضاري.. فما هي البدائل؟
قالت لأبيها بعد انتهاء مجلس العزاء:
-يجب أن تتزوج يا أبي، فأنت مقبل على مرحلة هامة جداً وربما حاسمة، وتحتاج إلى امرأة
قال لها وقد اعتصره الألم حتى غدا خيالاً:
-لن أتزوج بعد أمك يا نوار.
اقتربت منه باسمة، وداعبت ذقنه الملتمة كحرف النون، وقالت له بغنج:
-ومن ينام بأحضان سيد القبيلة؟
-يا نوار أريد أن أكون وفياً لأمك رحمها الله.
-الوفاء يا أبي أن لا تتزوج غريبة عنها.
-ماذا تقصدين؟
-خالتي سراب ما زالت شابة، وما زال طفلاها بحاجة إلى حنانك ورعايتك.
اذهب إليها يا أبي، وشاورها في الأمر، فإن رضيت أشبك يدها، وتعالا بسرعة، لنستكمل مراسيم الزواج.
-أهذا رأيك يا نوار؟
-وهل من رأي آخر؟
-لا. سأذهب إليها..
-قبل أن تذهب أريد منك شيئاً.
-ما هو يا بنتي؟
-أريد أن أرى كاسراً، قيل لي أنه عاد من بني خالد.
-أجل عاد البارحة، ولا بأس عليك في رؤيته.
-اذهب يا أبي، ولا أريدك أن تأتي إلا برفقة خالتي سراب.
-إن شاء الله يا بنتي؟
ما إن غادر الشيخ مناور خيمته حتى صرخت نوار بخادمها (ثويني) الذي أفزعته صرخة نوار، فجاء مهرولاً:
-اذهب يا ثويني إلى كاسر وقل له إن عمتي نوار تريد رؤيتك بالحال.
كان كاسر على علم بكل ما جرى من أحداث، وقد أسف لفقدان أربعة من فرسانه غيلة وغدراً، فاجتمع مع بقية فرسانه لتدارس الموقف. قال لهم:
-أنتم تعرفون جيداً أن عددنا قليل بعد رحيل قسم كبير من قومنا عن القبيلة، وعلينا أخذ الحيطة والحذر وأن نبتعد عن أسلوب الاغتيال، علينا أن نجرب معهم سياسة الخداع، فالحرب خدعة..
كان صقر أشد المتحمسين لأسلوب الاغتيال والأخذ بالثأر، لكن ساجراً وجباساً أيداً كاسراً، فقال صقر والأسى يتملكه: لا تنس يا كاسر أن فرساننا الذين قتلوا تركوا أرامل وأولاداً ولا معين لهم الآن إلا الله.
-لم أنس يا صديقي، وأرجوكم جميعاً أن تثقوا بي.
اهتزت الرؤوس المثقلة بالهموم والمتاعب، وحملقت العيون عندما سمعوا صوت (ثويني) ينادي كاسراً.
وقف كاسر، وقال لزملائه: ابقوا هنا. سأذهب لأرى ماذا يريد مني هذا المعتوه.
خرج كاسر وكان ثويني قد تشاغل بإخراج شوكة علقت بقدمه حتى استطاع إخراجها بعد جهد جهيد.
-ماذا تريد؟
-عمتي نوار تريدك بالحال.
-اذهب إليها، وقل لها بأنني سأحضر بعد وقت قصير.
ذهب ثويني يخبّ، وكاسر يراقب سيره المضحك، ودخل الخيمة والابتسامة ما زالت عالقة على شفتيه، قائلاً:
-عمته نوار تريدني في الحال، فما رأيكم؟
قال صقر، وقد بلغ به التأثر منتهاه:
-اسمع يا أخي. لا نريد أن نفقدك، لا تذهب إليها فهي غادرة.
-لا تخف يا صقر علي، فبيني وبينها سيل من الغمزات، أنسيت أنها كانت تتمنى أن أكون حليلاً لها عندما فقدت الأمل من ضاري؟ وأنها كانت تود إقامة علاقة معي وهي في كنف الشيخ حجلان؟
-هي حية رقطاء يا كاسر لا يؤمن جانبها، وما زالت دماء إخوتنا لما تجف بعد
-أعرف يا صقر. اسمعوا جيداً: سأذهب إليها لا أريد أن أتأخر عليها.
-اسمع أنت يا كاسر سنحيط بخيمة مناور، وسنقترب منها كثيراً، فإن سمعنا طلقة واحدة سنحرق الخيمة، ونحرق خيام الزغيب كلها.
ضحك كاسر، واحتضن صقراً، وودعه وزملاءه..
كانت نوار تعدّ الثواني.. تروح وتجيء، وقد استكملت زينتها، وفاح عطرها، ولبست من الثياب ما يبرز مفاتنها.. تتأمل نفسها كل دقيقة في المرآة، تلامس وجهها وجسدها برفق وتبتسم، ولما تأخر كاسر نادت ثويني بعصبية:
-أنت متأكد أنه قال لك سيحضر؟
-أقسم على ذلك يا عمتي.
-هيا اذهب، وعندما يأتي كاسر ويدخل الخيمة إياك أن تقرب أو تدخل دون استئذان.
-كما تريدين يا عمتي.
لم يطل انتظارها.. دخل كاسر، وهو يحمل بيده صرّة. احتضنته نوار بحرقة، واحتضنها مرغماً. أراد أن يخلّص نفسه من طوق يديها فلم يستطع. همس في أذنها:
-ألا تتركين للغد شيئاً؟
همست في أذنه: لا أريد أن ترحل بعيداً عني، أنت لي، وأنا لك منذ زمن طويل.
سامحك الله أنت السبب.
-أنا السبب يا نوار؟
-نعم أنت السبب، أنت تعرف كم أحبك؟
-أعرف جيداً يا نوار، ألا تريدين أن تعرفي ماذا جلبت لكِ؟
-لا أريد شيئاً غيرك؟
-أريدك أن تنظري قليلاً.
حررت نوار رقبة كاسر من طوق يديها، وغرست عينيها في صرة كاسر.
-ما هذا؟
-افتحيها لتعرفي ما بها؟
فتحتها نوار على عجل، وإذ بثوب عرس جميل موشى بالقصب والزخارف البراقة..
-يا الله.. إنه ثوب جميل!
-إنه لعرسك يا حبيبتي.
طوقت عنقه ثانية وغرست في رقبته عدة قبلات، وتأملت شفتيه بشبق، لكنه أشاح وجهه قائلاً:
-نوار أخشى أن يدخل علينا أحد.
-لا تخف، والدي عند خالتي سراب، ذهب ليجلبها إلينا كي تعيش معنا.
-لماذا؟
-لأنها ستكون زوجته الليلة.
-إنها تليق بأبيك يا نوار، مبارك لهما.
-شكراً يا كاسر.
اصطنع كاسر حالة تأثر بالغ، واعتصر صدغيه بقوة، ففزعت نوار قلقة، وأمسكت يديه، وقالت متوسلة:
-ماذا ألم بك يا حبيبي؟
-نوار.. ما زلت أبحث عن جواب لسؤال يدور في خلدي منذ البارحة فلم أعثر عليه..
-اسألني وأنا أجيبك.
-كيف قتل فرساني وهم بضيافتك؟
-هذا أمر يطول شرحه، سأحدثك عنه مفصلاً فيما بعد.
-لكن لا بد لي من تقديم العزاء لأسرهم.
-زرهم يا حبيبي، وأعطهم مالاً، انتظرني لحظة..
ذهبت نوار متجهة إلى ركن من الخيمة، وفتحت صندوقاً كبيراً وأخرجت منه كيسيين مملوءين بالنقود، دستها في ملابسه قائلة: كيس لهم والآخر لك يا حبيبي.
-شكراً يا نوار.. فيك الخير يا حبيبتي.
-سترى يا حبيبي كل الخير مني بإذن الله، وكل ما أريده منك أن تستعجل الزواج يا كاسر، لن أطيق بعادك عني.
-سأسافر بعد يومين إلى أهلي ثانية، وسأترك لهم كل ما أملك من مال وحلال، وأعود إليك يا نوار.
-صحيح يا كاسر؟
-نعم يا حبيبة القلب والروح.
-اسمع يا حبيبي، سأرسل لك في الغد قطيعاً من الإبل وآخر من الشياه لتذهب بهما إلى أهلك، اتركها لهم ليعيشوا حياة سعيدة، وسأعطيك الآن كيساً مملوءاً بالذهب. إنه كل ما أخذته من الشيخ حجلان والله. أريدك أن تبيعه لي في الأردن وتشتري لي بثمنه حزاماً من الذهب تقدّمه لي يوم زفافي.
-نوار.. دينك علي أصبح ثقيلاً، ليتني أستطيع سداده، وسأدعو الله دائماً ليساعدني على ذلك.
-لا تقل هذا أرجوك، كل ما أريده من الله هو أنت يا كاسر، فأنت سعادتي وهنائي.
كان كاسر يحدث نفسه وهو يتحسس أكياس النقود التي أثقلت جيوبه، ويتساءل: يا ترى أهي ساذجة إلى هذا الحد؟ ولماذا صيدها سهل إلى هذه الدرجة؟ لكنه عرف جيداً لماذا احتقرها ضاري وركلها بقدمه.
قال له صقر:
-أخشى أن تكون قد سحرتك يا كاسر؟
ضحك كاسر طويلاً وقال: إن أردت الحق فهي والله ساحرة، لكن سحرها لن يزيدها إلا خسراناً.
-وماذا تنوي فعله الآن؟
-هيا بنا نزور أرامل الفرسان وأولادهم، ونعطيهم المال الذي يكفيهم ويقيهم غائلة الفقر والحرمان، وسنذهب بعدها إلى الشيخ حجلان نردّ إليه كل الذهب الذي أخذته نوار منه.
-وقطيعاً الإبل والشياه؟
-هي لي ولك ولساجر وعفتان وشمالي وجباس وصهيب سنقسمها بالتساوي بيننا، ونرحل من القبيلة بعدها إلى أهلينا فهم بانتظارنا، ثم علينا أن نفتش عن ضاري وإني أقسم بالله أمامكم إنني لن أعود إلى القبيلة إلا برفقته.
***
(19)
ارتشف ضاري قهوته المرة بعصبية، وأخذ يخطو خطوات مائلة، وعيناه تحدقان في الأرض، ما لبث أن توقف فجأة.. قالت له ريمة ذاهلة: ماذا حدث لك يا أخي؟
-الشيخ مروح تأخر يا ريمة!
-ربما كان له عمل هناك، أو حاجة يود قضاءها، أو أن الشيخ شعلان تمسك به من أجل التحكيم، أو غير ذلك..
-لا.. عقلي يحدثني أن طارئاً قد ألم به.
-لِمَ تتوقع الشر يا أخي.. الشيخ مروح لا يستحق إلا الخير.
-لذلك أنا قلق عليه.. هذا هو اليوم السادس له.. لقد قال لنا أنه لن يتأخر أكثر من ثلاثة أيام..
-وماذا تنوي فعله؟
-إن لم يأت الشيخ غداً أو بعد غد سألحق به.
-إلى أين؟
-إلى عرب الشيخ شعلان.
-وحدك؟!
-لا.. سآخذ معي مجموعة كبيرة من الفرسان.
-أرجو ألا تتصرف إلا بعد مشورة الشيخ مفوز وهايل.
-هذا مؤكد يا أختاه.
مرَّ يومان، ولم يأت الشيخ مروح، وأرسل الله مطراً لم تشهده البادية منذ عشر سنين امتلأت الوديان ماء، وسالت الأباطح منذرة بخطر يهدد الزرع والضرع والخيام..
كان رأي الشيخ مفوز مزيداً من الانتظار، أما هايل فقد ألح على ضاري سرعة البحث عن والده، فوافق الشيخ مفوز مكرهاً على طلب ابن أخيه..
ودّع ضاري أخته، فقالت دهشة:
-هل أنت ذاهب إلى الحرب؟
-لا.. ولكن لم تسألين؟
-لباسك، وأسلحتك، وكثرة الفرسان الذين ينتظرونك.
-ربما يفرض علينا القتال، ولئلا أندم يا أختاه.
-ومن تركت للقبيلة؟
-وردان الفارس الشجاع وأكثر من خمسين فارساً.
-ألا تؤجل سفرك حتى تجف الأرض؟
-لسنا مشاة يا أختاه، وهي فرصة اختبار لفرساني.
-الحرب والطعان بدمك يا أخي.
-بل نصرة المظلوم، وإعلاء راية الحق يا أختاه، ولو أردت الحرب والطعان للحرب والطعان لما غادرت قبيلتي. وداعاً.
سنابك الخيل تعزف في الوحول والغدران كل ألحان الوفاء لشيخ الوفاء غير آبهة بزمجرة العواصف وقصف الرعود وغضب السماء، وكان ضاري في مقدمة الفرسان يتمتم بلهفة:
-الويل لمن يسيء إلى الشيخ مروح..
ألا يستحق مني الشيخ مروح التضحية بالنفس وأنا المدين له بحياتي وسعادتي؟ ألا تستحق راية الوفاء أن تخفق شامخة في أرض الخير والعطاء؟ لِمَ يعيش الإنسان إن لم يكن لهدف سام وغاية نبيلة؟ التآمر على الأخوة، والطمع في خيراتهم، واجتياح أراضيهم ليست من شيمة العربي الأصيل أبداً، إنها أساليب دنيئة خسيسة يلجأ إليها ضعاف النفوس وذوو الأصل الوضيع.
يا رب ساعدني لأدرأ عن الشيخ مروح كل ابتلاء، وأدفع عنه كل شر..
عند منحدر رهيب رفع ضاري يده، فتوقف الفرسان. طلب ضاري منهم أن يرتاحوا قليلاً قبل أن ينحدروا إلى مضارب الشيخ شعلان باحثين عن الشيخ مروح.
لاحظ ضاري وبعض فرسانه حركة غير عادية في المضارب، فقال:
-لقد شعروا بوجودنا فارتبكوا.. عليكم أيها الفرسان أن تسوروا المنحدر من كل اتجاه، وكادت يده ترتفع لتومئ لهم بالهبوط عليهم لولا أن لمح فارسين يلوحان براية بيضاء..
كان أولهما الشيخ شعلان والآخر كان فارساً عملاقاً..
تقدم الشيخ شعلان نحو ضاري قائلاً:
-أنا يا بني الشيخ شعلان شيخ قبيلة الحواملة التي ترونها أمامكم. إن كنت تطلب ثأراً فأنا كفيل بدفع الدية أو تسليم القاتل إليك إن كان موجوداً عندنا، وإن كنتم تريدون بعض الحلال منا لسد احتياجاتكم فأهلاً وسهلاً بكم..
أجاب ضاري بعصبية:
-اسمع أيها الشيخ.. نحن بعض من قوة كبيرة سيدها وقائدها الشيخ مروح، وقد افتقدناه، ونحن نعرف أنه في قبيلتك...
قال الشيخ شعلان قبل أن يكمل ضاري حديثه:
-يا ولدي الشيخ مروح ما زال ضيفي حالت الأمطار الغزيرة والعواصف الهوج دون سفره.. يا مرحبا بكم.
قال ضاري، وقد تنفس الصعداء:
-والله يا شيخ شعلان لم تمنعنا العواصف ولا الزوابع من البحث عنه ولو كان في أقصى الأرض، ومن يصبه بسوء لا سمح الله، فلن يعيش على هذه الأرض لحظة واحدة..
-معاذ الله يا ولدي، ومن يجرؤ على المساس بالشيخ مروح أنه شيخنا وعارفتنا الذي يحتل منذ زمن طويل مكانة كبيرة في قلبي؟
-لهذا السبب إذن تحالفت مع الزغيب والمفاليح والصوالحة ضد أقربائه المحيسن؟
-لا والله يا ولدي.. كنت أحدث الشيخ مروح منذ أن حل ضيفنا عندي عن محاولاتهم المتكررة لجري إلى صفوفهم، فأبيت والله، والآن هيا لترى بأم عينيك شيخك وسيدك..
طلب ضاري من فرسانه البقاء في أماكنهم، وأشار إلى عشرة فرسان انتقاهم بعناية ليسيروا خلفه. إلى أن وصلوا إلى خيمة الشيخ شعلان، فوجدوا الشيخ مروح ملثماً وبيده سلاحه، ولكنه عندما رأى ضارياً، صاح فرحاً:
-أهذا أنت؟! ماذا جاء بك إلى هنا؟!
-الوفاء لك يا شيخي ويا سيدي؟!
-وما هذا الجيش الكبير الذي يرافقك؟!
-إنهم بعض فرسانك جاؤوا يبحثون عن سيدهم.
قال الشيخ شعلان مبتسماً:
-لم أكن أعلم أن لديك آلاف الفرسان يا شيخ مروح؟
قال الشيخ مروح بتواضع:
-والله يا شيخ شعلان ما أردت يوماً إظهار قوتي وفرساني وسلاحي على أحد، ولم أستخدمهم لمآرب شخصية، وأنت أدرى الناس بأخلاقي وسلوكي وتعاملي مع الآخرين. والله لم أرسل في طلبهم.
قال ضاري: تأخرك علينا أقضَّ مضاجعنا، ولقد خشينا أن يكون قد أصابك مكروه لا سمح الله، والغادرون في هذا الزمان كثيرون.
رد الشيخ شعلان على الفور:
-لسنا منهم يا ولدي، ولن نكون أبداً كذلك.
قال ضاري مبتسماً:
-لا أقصدكم يا عماه.. إنني أقصد الذين تحالفوا ضده.
-سيكون مصيرهم الخزي والعار يا ولدي، وإنني الآن أقسم بالله أمامكم بأنني سأقاتل بكل ما أملك إلى جانبكم ضد كل من تسول له نفسه المساس بكم، كما أطلب الآن من الشيخ مروح أن يقبل انضمام قبيلتي وفرساني إلى قبيلته وجيشه.
صاح الشيخ مروح بقوة، وقد رفع سلاحه بيده عالياً:
-الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر..
فردد الحاضرون جميعاً: الله أكبر ثلاث مرات.
أقسم الشيخ شعلان ليذبحن الجزور والشياه، وليحتفلن بهذه المناسبة السعيدة.. مناسبة وحدة القبيلتين.
انحدر الفرسان كسيل عرم بشكل أذهل القبيلة كلها، وقضوا يومهم في رحاب كرم الشيخ شعلان، ليرحلوا صبيحة اليوم الثاني إلى قبيلة الفوارس.. قبيلة الشيخ مروح.
كان الشيخ مروح فخوراً بما فعله ضاري.. شدّ على يده، وقبله مراراً، وسار إلى جانبه في مقدمة الفرسان.
تلفت الشيخ نحو ضاري قائلاً:
-أخليت القبيلة من رجالها؟
-لا يا عماه.. أبقيت أكثر من خمسين فارساً، وقد أوكلت قيادتهم لوردان.. وردان فارس شجاع لا يقل عني قوة ومقدرة.
-خيراً فعلت، ولو تركت عدداً أكبر لكان ذلك أفضل.
-خوفي عليك يا عماه دفعني لأن أحشد قوة كبيرة قادرة أن تعيدك إلينا سالماً غانماً بإذن الله.
ضحك الشيخ مروح طويلاً وقال:
-سامحك الله يا ولدي.. أتخاف علي ومعي طرماح؟
-ضحك ضاري، وتنحنح طرماح رافعاً يديه عالياً.. ازداد ضحكاً، ثم صمتا..
بعد حين قال الشيخ مروح لضاري:
-هل جاءكم مطر غزير كالذي جاء إلى أرض الشيخ شعلان؟
-المطر عام، وهدد الحلال والزرع والخيام لكنه والحمد لله لم يضر أحداً.
-حمداً لله.
ساد الصمت مرة أخرى، ما لبث الشيخ مروح أن تلفت إلى ضاري قائلاً:
-لا أخفيك يا ولدي إنني فوجئت بهذا العدد الكبير من الفرسان..
-وسيكون عندك ضعف هذا العدد بعد فترة ليست طويلة.. أمهلني يا عماه بعض الوقت وسترى.
-حسناً يا ولدي. ستكون فارس القبيلة الأول، ولك الكلمة النافذة في أي شأنٍ من شؤونها اعتباراً من هذا اليوم، وسأعلن ذلك للملأ فور وصولي.. أصبحت واحداً منا يا ولدي، ولن أتخلى عنك مهما كان السبب اللهم إلا إذا أردت فراقنا..
-يا عماه، دع الأمر للظروف، ولو أنني أقدر بأن مكوثي عندكم لن يطول.
-لا تقل هذا الكلام ثانية يا ولدي أرجوك.
-يا عماه سيحل محلي وردان.. اعتمد على الله وعليه فهو نسخة مني..
صدقني يا عماه.
-ولكن إلى أين تنوي الرحيل؟
-الظروف تجبرني على ذلك.
-هل أساء إليك أحد، أو تعرض لأختك بأذى؟
-لا والله يا عماه لم نجد إلا الطيب والخير والحب في ربوعكم.
-إذن قل لي سبباً واحداً يدعوك إلى الرحيل.
-سيأتي الوقت المناسب لتعلم كل شيء.. لا تستعجل علي، فلن أدعك وأنت مهدد بالخطر.. ثق بي يا عماه
-أسألك يا ولدي سؤالاً واحداً أرجو أن تجيب عنه صراحة.
-تفضل يا عماه، فما تعودت طوال حياتي إلا على الصدق والصراحة.
-لو لم تجدني في قبيلة الشيخ شعلان فماذا كنت فاعلاً؟
-أقسم بالله ثلاثاً بأنني وفرساني كنا على استعداد لأن نجوب فيافي الصحراء وقفارها حتى نجدك..
-سؤال آخر يحيرني.
-ما هو يا عماه؟
-من أي القبائل أنت؟ ومن هم أهلك؟
-هذا ما لا أستطيع الإجابة عنه الآن، وقد قلت لك قبل قليل أرجو ألا تستعجل علي، ستعلم كل شيء والله فيما بعد، وأنا الآن لا أنتمي إلا لقبيلة الشيخ مروّح، وأنا واحد من أهله.
-بارك الله فيك يا ولدي.. بارك الله فيك.
توقف الشيخ مروّح فجأة، وتوقف ضاري وطرماح وكل الفرسان عندما رأوا فرسان الاستطلاع الذين سبقوهم يلوحون ببنادقهم..
-ماذا يريدون يا ولدي؟ لقد وصلنا إلى مشارف القبيلة!
-سنعرف يا عماه فور وصولهم إلينا.
توقف فرسان الاستطلاع أمام الشيخ مروّح منكسي الرؤوس، فقال قائدهم:
-لقد هوجمت قبيلتنا في فترة غيابنا عنها.
-وكيف عرفت يا ولدي؟
-لقد رأينا خياماً محروقة، ولا وجود لحلالنا في المفلى.
-ربما حدث أمر طارئ لا يمت بصلة إلى الغزو.
-نأمل ذلك علينا أن نسرع لنقف على حقية الموقف.
-هيا
كانت الخيام مبعثرة كبيادق مهزومة، بعضها محروق والبعض الآخر قد قطعت أطنابها، وكسرت أعمدتها، وبعض النسوة ينحن، والفرسان قد تجمعوا أمام خيمة الشيخ مروح..
ترجل الشيخ مروح وضاري، وتقدماً إلى الخيمة، فوجدا هايلاً على فراشه يئن من الألم وأمه وهدوة وريمة والشيخ مفوز والحكيم المهادي كلهم قد تجمعوا حول فراشه.
صاح الشيخ بغضب شديد:
-ماذا حدث؟
قال الحكيم المهادي: الحمد لله الذي أنقذ ولدك من الموت.. إنه الآن بخير، وجرحه سيلتئم بعد عدة أيام.
صاح الشيخ مروّح ثانية بغضب شديد:
-قلت لكم ماذا حدث؟ وكيف؟ أجيبوا..
وقف الشيخ مفوز متكئاً على عصاه، وقال:
-اسمع يا أخي: لقد هوجمنا بغتة، وأخذنا على حين غرة، البارحة كان وردان يدرب الفرسان وبقية الرجال وحتى الأطفال، فأحسن تدريبهم، ونال التعب من الجميع فناموا منهكين.
في منتصف الليل هوجمنا، وكانت الليلة معتمة لا قمر فيها ولا نجوم، ورغم ذلك تصدينا للغزاة بثقة، لكنهم كانوا كثيرين أكثر من مائة فارس.
-وما هي خسائرنا؟
-قتل خمسة فرسان وامرأتان وجرح هايل بكتفه. أحرقوا عشر خيام، ونهبوا عدداً كبيراً من الشياه والإبل لم نستطع إحصاءها بعد، وفروا هاربين من صيحات وردان ذلك الفارس الشجاع.. لقد ألقى القبض على قائدهم.
-وكيف عرف في الظلمة أنه قائدهم؟
-عندما تبددت الظلمة. عرفناه يا أخي إنه فهيد بن الشيخ مشعان.
صاح ضاري غاضباً: يا ويل الشيخ مشعان مني.. يا ويل المرادّة من فرساننا:
فرسان حنّا والوفا سيف
والديره أمّنا أبدا ما نرخصها
لا بد نقنص الظالم بحيف
وانطهر الديرة من اليدنسها
تلقى ضاري صيحات الاستجابة والانتقام من كل الفرسان، فرّد الشيخ مروّح في الحال:
-يا شيخ مفوّز ادع لاجتماع عاجل لوجوه القبيلة، وليحضر السبع قائد الفرسان
-مشيراً إلى ضاري –ونائبه –وقد أشار إلى وردان وليتفقد الفرسان أهليهم وحلالهم
-كما تشاء يا أخي.
أمسك ضاري يد وردان وهمس في أذنه:
-لمّ لمْ تعيّن حراسة على المضارب والحلال كما أوصيتك؟
-الحراسة كانت موجودة، لكن عتمة الليل وانهمار المطر قلّلاً من أهميتها ولم أكن أعتقد أن الغادرين سيغيرون علينا في هذا الوقت المكفهر.
-كان عليك أن تتوقع أسوأ الاحتمالات، وإلا لست أهلاً لأن تكون قائداً.
-أرجو يا أخي أن يكون ما حدث درساً لي، ولن أنساه.
-وكيف ألقيت القبض على قائدهم؟
-كنت أصيح في كل مكان طالباً من الفرسان أن يهبّوا لطرد الغزاة، وقد جعلت مكاني بالقرب من خيمة الشيخ مروّج بعد أن طلبت من ريمة وهدوة ورمثة البقاء في الخيمة، أما هايل فقد أبى إلا أن يشارك في القتال، ورجوته ألا يبتعد عن الخيمة، وما هي إلا لحظات فرأيت شبحاً يحاول التسلل إلى الخيمة، ضربته ريمة بأخمص بندقيتها، فأمسكته، وقيدته بوثاق لا يستطيع الحراك منه أبداً.
-وأين هو الآن؟
-في خيمتي، وقد وضعت عليه حراسة مشددة.
-اذهب إليه، وقدم له الماء والطعام، وإياك أن تعامله معاملة سيئة، ثم تعال بسرعة لينظر الشيخ مروح بأمره خلال الاجتماع.
-كما تريد يا أخي.
ذهب ضاري إلى خيمته حزيناً، فوجد ريمة قد سبقته إليها، وقد تملكها الفزع عندما عرفت أن الأسير هو ابن خالها، ثم هزت رأسها أسفاً على ما حدث، وقد أدرك ضاري حزنها، فربت على كتفها قائلاً: لم أكن ألومك، ولن ألومك أبداً عندما رفضته زوجاً لك. إنه نذل. لكن لماذا أيها الخال تضحي بإبنك من أجل متاع الدنيا؟
لماذا أيها الخال تهاجم باستمرار هذا الرجل الطيب الشهم؟ يا رب سترك وأنت يا ريمة إياك أن يعرف أحد صلتنا به.
-لا يا أخي.. لكن ماذا سنفعل؟
-سأتدبر الأمر، لا تخافي، أريد الآن أن أبدل ثيابي لأذهب إلى الاجتماع في خيمة الشيخ، اذهبي إلى هدوة، وابقي معها وواسيها بما حدث.
-سأذهب يا أخي وأرجو أن تشكر وردان نيابة عني لشهامته ورجولته وحمايته لنا.
-سأفعل يا أختاه.
كان الاجتماع عامراً حضره وجوه القبيلة كلهم وقد جلس ضاري إلى يمين الشيخ مروح، ووقف وردان، فأمره ضاري بالجلوس إلى جانبه، ففعل.
تحدث الشيخ مروّح بعد أن حمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وقال: ديات القتلى، وما نهب من مال وحلال، وما تضرر به رجالي كلها عندي وبذمتي تؤخذ من مالي وحلالي.
قال الشيخ مفوّز بحدة:
-يا أخي ليس هذا حلاً.. أنت في كل مرة تتحمل ديات القتلى، وكافة الأضرار التي تلحق بالرجال.. إلى متى نظلّ مطعماً ولقمة سائغة لقطاع الطرق وشذاذ الآفاق، ونحن الآن نملك بحمد الله جيشاً قوياً قادراً على الرد بقوة؟ دعونا:
نطرق بواب العز بالحق
فرسان حنّا لعز الطلايب
واللي يبي يبارينا يلحق
وحكم السبق مغلوب وغالب
لي هلهلت حره طير وحلق
وإن كدّوا الفرسان سهمٍ وصايب
ردّ الشيخ مروّح بأسى:
-إن شاء الله لن تتكرر هذه المأساة.. لن أدعو للثأر أبداً.
قال الشيخ مفوّز بسخرية:
-من يضمن عدم تكرار الغزو؟
ردّ الشيخ مرّوح –وهو يضع يده على كتف ضاري –قائلاً:
-هذا الفارس الشجاع يضمن ذلك.
تطلعت الأعين المشّتعلة غضباً إلى عيني ضاري المتوقدتين فوقف قائلاً:
-أقسم لكم بالله ثلاثاً لن تتكرر المأساة ثانية، ثقوا بي أرجوكم، وقفوا إلى جانبي، وسترون.
قال الشيخ مفوّز:
-وماذا ستفعل بالأسير يا شيخ مروّح؟
تعالت الأصوات من كل جانب:
-اقتلوه.. قطعوا يديه وراموه للكلاب.
-أرسلوه جنازة إلى الشيخ مشعان.
صاح بهم مروّح قائلاً:
-ليس من المروءة بمكان أن نقتلّ أسيراً، وليس من عادة الشيخ مروّح أن ينكّل بأحد حتى ولو كان ظالماً.
لا يا أخوتي وأبنائي.. أنتم أسمى من أن تفعلوا ما ينافي القيم والأصالة العربية... اتركوه مقيداً.. وقدموا له الطعام والشراب والثياب حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
رفع الحكيم المهادي يده قائلاً:
-يا وجوه القوم: أنتم لا تعرفون جيداً قوة الشيخ مشعان وسطوته إن لديه فرساناً يفوق عددهم أضعاف عدد فرساننا، وإن لم نطلق سراح ولده البكر فسيغزو القبيلة خلال أيام حتماً وسيحدث ما لا يحمد عقباه، وأحب أن أذكركم والكل يجب ألا يجهل تحالف الشيخ مشعان مع قبيلة الرميح قبيلة الشيخ صفوك وقبائل أخرى لم نتبيّن بعد عددها.
لا بد من معالجة هذا الأمر بحكمة وبسرعة قبل أن يستفحل الأمر ونحصد الخراب والدمار.
رفع الشيخ مسعد يده قائلاً:
-يا وجوه الخير. والله ما يسكت على الضيم إلا المقهور. لذا أرى أن نحتفظ بالأسير، لأن الشيخ مشعان سيحاول استرداده بلك ما يملك من قوة، ونحن الآن نملك قوة كبيرة بفضل الله وبفضل الشيخ مروح والسبع الذي أرسله الله إلينا ليعيد الحق إلى نصابه وأخوه وردان الذي إذا ما صاح زلزل الأرض وقلوب الأعداء.
وأنا على ثقة بأننا سنلقن مشعان ورجاله إذا ما هوجمنا درساً قاسياً لن ينسوه على مر الزمان فلنستعد من الآن، ونهيئ أنفسنا لمعركة فاصلة مع قوى الشر والبغي.
رفع الشيخ عناد يده عالياً فأومأ له الشيخ مروّح بالموافقة، فوقف قائلاً:
-يا وجوه الخير، سأقول كلاماً قد يكون غريباً، أو ربما يستهجنه الكثيرون، إني أرى أن نطلق سراح الأسير محملاً بالهدايا إلى والده، ويرافقه ثلاثة رجال هم: السبع ووردان وطرماح وأنا على ثقة بأن النتيجة ستكون إيجابية، وربما نهاية الشر.
رفع ضاري يده، فسكت الجميع، قال له الشيخ مروح:
-قل يا ولدي كل ما عندك بوضوح وصراحة.
قال ضاري بهدوء:
-خير وسيلة في الدفاع هي الهجوم.. أطلب منكم أن تسلموني الأسير، وسأصحبه معي على رأس قوة كبيرة ، وسأفاوض الشيخ مشعان به، فإن رضي أن يأتي إليكم شخصياً معتذراً عن فعلته الشائنة، مبطلاً كل تحالفاته ضدكم، ومعوضاً كل الخسائر التي ألحقها بكم نكون قد حققنا ما نريد، وإن رفض مطالبي، فإني أعدكم برأسه، وتدمير قوته، وسلبه كل أمواله وحلاله، فما رأيكم؟
ساد صمت رهيب جو المجلس، فكلمات ضاري الهادئة الواثقة التي تكمن فيها القوة والثقة والحكمة والتفاؤل لجمت كل الأفواه والألسن إلا لساناً واحداً بدد جوّ الرهبة والتفاؤل.. إنه الحكيم المهادي الذي قال دون استئذان:
-يا ولدي.. مضى علي أشهر وأنا أعالجك حتى شافاك الله، لِمَ تحكم علي بأشهر أخرى قد تكون أكثر حرجاً وإيلاماً؟!
ضحك الجميع حتى دمعت عيونهم، لكن عيني ضاري توقدتا، وكادتا تلتهمان الحكيم المهادي، لكن الشيخ مروّح تنحنح، فأنهى الضحك، وأغلق الأفواه، ثم قال مخاطباً كل من في المجلس.
-يا وجوه الخير.. لم أتعود في حياتي وكما عهدتموني أن أتفرد في رأيي، فالأمر شورى ما ترونه صائباً لن أمانع أبداً في قبوله، وما عرضه قائد الفرسان ربما يراه البعض خيالياً لكنني أراه الحقيقة. فما رأيكم؟
وافق الجميع بعد مناقشة قصيرة، وذهب الشيخ مروح ليعود بعد لحظات وبيده سلاح حديث مع كيس من الرصاص قائلاً؟
-تعال أيها القائد. خذ هذا السلاح إنه لك، وستسّلم الليلة خمسمائة قطعة سلاح مع ذخيرتها توزعها على الفرسان، جهز نفسك وفرسانك لتنطلقوا صباح الغد إلى مضارب الشيخ مشعان. سيرعاكم الله وترافقكم السلامة، وسأراكم في الصباح قبل أن تغادروا لأقول لكم ما يجب قوله.
***
(20)
عواصف تكنس بارقات الأمل، وزوابع تصوّح في عمق الذاكرة، وتطيح بأعمدة الرجاء.. اليدان ترتجفان دون برد، والقدمان لا تقويان على الوقوف.. الوجه تعمقت أخاديده، والشفتان تختلجان، وتتمتمان بتثاقل: ضاري.. ضاري..
كانت سراب تراقب زوجها عن بعد، فتملكها الغثيان.. اقتربت منه بحذر، فهب مذعوراً الفزع يملأ كيانه..
ضحكت نوار من منظر أبيها الذي غدا كأرنب يطارده صياد، وطلبت من خالتها أن تبتعد عنه.. أشارت إليه بكفها متسائلة، فتمتم: ضاري يا نوار.. ضاري..
-ما به ضاري؟
-قال لي أحد الرجال إنه رآه على رأس قوة كبيرة متوجهاً إلى قبيلة المرادة..
قبيلة خاله مشعان..
-وماذا في ذلك؟
-ربما يأتي إلى هنا يا نوار.. لقد رأيته في المنام أكثر من مرة يحاول الفتك بي..
-لا تخف يا أبي.. إن طيفه يعاتبك على سوء معاملتك لأبيه، ويطالبك بالإحسان إليه.. اذهب إليه في الغد، وأعطه لباساًَ جديداً، وعباءة من عباءاته التي استوليت عليها.
-سأفعل إن شاء الله الليلة قبل أن أذهب إلى الشيخ متعب.
كان الشيخ متعب يعقد في خيمته قمة لشيوخ قبائل المفاليح والصوالحة والمحيسن، وقد ساءهم رسل الشيخ مناور إلى بعض القبائل يحثهم فيها على التحالف معه لغزو البعض الآخر.. لم الغزو؟! وما هي نوايا الشيخ مناور القريبة والبعيدة؟ وما سر المجازر التي طالت عدداً من فرسان الصافي والزغيب؟ وكيف آلت إليه حال الشيخ حجلان؟
أسئلة كثيرة كانت تدور في أذهانهم لم يتمكنوا من الإجابة عليها.. لذلك أرسلوا في طلب الشيخ مناور للوقوف على حقيقة الأمر.
كانت الأسئلة تنهمر على الشيخ مناور فور وصوله كشلال صاخب، وكانت أكثر من إشارة استفهام ترسم على الشفاه وكان العرق يرشح من وجهه المخدد دون انقطاع..
كان يشرح للشيوخ نواياه الطيبة أمام ما آلت إليه حالة قبيلته وهجرة أعداد كبيرة منها إلى الجزيرة الفراتية وشرقي الأردن، وكان يمّني النفس بموافقتهم للتوسع إلى حيث الماء والكلأ، مذكراً إياهم إذا ما استمر القحط بالمصير الأسود الذي ينتظرهم، مستشهداً بالشيخ مشعان شيخ المرادة الذي ما ترك الغزو يوماً رغم مقتل عدد من أبنائه وخيرة فرسانه، فكانت القبائل الأخرى كقبيلة الشيخ مروح ترهب جانبه، وتعطيه فوق ما يسلب وينهب أضعافاً مضاعفة اتقاء لشره..
كان الشيخ يطمئن الشيوخ على ضمان النتائج ملمحاً إلى أنه كوّن فرقة من الفرسان تتميز عن غيرها بقدرة على المناورة وروعة التدريب ودقة التسديد، وأنها تستطيع أن تقهر كل القوى التي تجابهها، وأقسم لهم بالله مراراً إذا ما أعانوه فسيجلب الخير لهم جميعاً، لكن الشيوخ لم يوافقوه بل حذروه، وهدّدوه إن لم ينزع هذه الأفكار من رأسه بالمقاطعة التامة.
اسودت الدنيا في وجه الشيخ مناور، لكنه شعر بالطمأنينة عندما قالوا له بأنهم لن يتخلوا عنه إذا ما تعرض لغزو خارجي، أو إذا احتاج إلى أية مساعدة.
عاد الشيخ مناور، وقد تراكمت الهموم على رأسه الصغير، وأخذ يذرع أرض خيمته جيئة وذهاباً، ينظر إلى الأفق البعيد تارة، وإلى دقائق التراب تارة أخرى، نادى ابنته نوار طالباً منها المشورة في الأمر، فأجابته، وهي متشاغلة بإخاطة فتق في رداء تحمله: اسمع يا أبي: إن الشيوخ على صواب، وأنت على خطأ.
صرخ في وجهها: أنت مجنونة يا نوار، أريدك أن تكوني سيدة النساء، وأنت تأبين؟
أين طموحك وأحلامك وأمانيك؟ رحمة الله عليك يا شيحة أنت وحدك كنت تعرفين مداخل الأمور ومخارجها.
قالت له نوار: لأن الشيوخ صرحوا لك بأنهم لن يتخلوا عنك في صغيرة أو كبيرة، وهم يرسلون إليك كل ما تحتاج فلمَ الغزو؟ دارهم يا أبي ما دمت في دارهم.. دارهم بأساليبك التي تعودت عليها، ولا تجعلهم أعداء لك، واعلم أن لكل مقام مقال، وأن اليد التي لا تستطيع بترها قبّلها وادع عليها...
ربت مناور على كتف ابنته، وقبّلها من بين عينيها مردداً: دارهم ما دمت في دراهم، وغاص في حلم جميل.. لم يرد على نداء قائد فرسانه، ولا على صوت ابنته، ولم ينظر في وجوههم الذاهلة.. ابتسم ابتسامة عريضة وأخذ يهز رأسه وعيناه تحملقان بالمجهول.. صاحت به ابنته:
-ما بك يا أبي؟ إن ضيوفاً اقترب موكبهم جاؤوك من أم التينة ألا تستقبلهم؟
-بلى.. كيف لا أستقبلهم يا نوار، بل سأحضنهم وأقبلهم فرداً فرداً..
أمسك الشيخ مناور كتف قائد فرسانه، وأمره أن يهيئ لهم أحسن استقبال..
بسرعة فائقة كان الفرح، وكانت الأهازيج، وكانت رقصة السيوف والخناجر تملأ ساحة القبيلة.. نحرت الجزور، وهلل الشيخ مناور بضيوفه، وقبّلهم ورحب بهم أجمل ترحيب.
كان الشيخ عطّاب قائد الفرسان الوافدين وأحد أبرز الذين أبلوا بلاء حسناً عندما تعرضت قبيلة الزغيب للغزو رغم تشتت القبيلة إلى عدة جهات.. كان عابساً لم ينل منه الفرح أي مأرب، ولم تبلغ به الأهازيج أي مبلغ، كان ينظر بعينين حادتين كعيني النسر إلى وجه الشيخ مناور، وكان الشيخ مناور يتحاشى نظراته ويخشاها.
قال الشيخ عطّاب: عليك أن تعود إلينا يا شيخ مناور.
-إلى أين؟
-إلى حيث يجب أن تكون، إلى أم التينة لتجمع شتات قبيلتك، وتعيد إليها مكانتها وهيبتها..
-لا وعليكم أن تبقوا عندي هنا، وتجلبوا إخوانكم، فأنا الآن شيخ قبيلتي الزغيب والصافي، وكلمتي مسموعة في القبائل كلها.. أريدكم أن تظلوا إلى جانبي لنهيمن على كل من يرفض الانصياع لإرادتي.. أرجوك يا شيخ عطاب أن تفعل ذلك.
كان الشيخ عطاب يهز رأسه بأسى، وينظر إلى عيني الشيخ مناور اللتين تتوسلانه، فقال:
-لو بقيت إلى جانبي ولم تهرب لما خسرنا المعركة..
-كان لا بد لي من الهرب.. أما سمعتهم.. إنهم يريدون رأسي يا شيخ عطاب، ولا شيء غيره.
-لم تقل الحقيقة يا شيخ مناور، وإني أدعوك للمرة الأخيرة أن ترحل من هنا، وتعود إلينا لتكون شيخنا وسيدنا.
-وإن لم أفعل؟
-سنرحل على الفور، ولن ترانا أبداً.
-ارحلوا إذن.
كان لرحيل الشيخ عطاب وفرسانه أعمق الأثر في النفوس.. لقد تمنى البعض بقاءهم لتزداد قوتهم، وتقوى شوكتهم، ويتضاعف عددهم، فهم أمام خطر وشيك وبلاء مستحكم وعنف يتجدد لبوسه كل يوم.. أما البعض الآخر فكان على العكس تماماً، يرونهم هم الخطر المحدق سيقاسمونهم اللقمة والمغنم، والرفعة والجاه... وإنهم بحكم قرابتهم من الشيخ مناور سيستأثرون بكل شيء ولن يتركوا لهم سوى الفتات.. لذلك ابتهجوا لرحيلهم وطلبوا من الشيخ مناور ألا يحزن لغيابهم... قال له القائد رديني: يا عماه أعطيتهم أكثر مما يستحقون، وقد كانوا أغبياء لأنهم لم يقتنصوا الفرصة، ولم يشكروا عفوك عنهم..
استحالت البسمة على شفتي الشيخ مناور إلى قطوب، فصاح بأعلى صوت خادمه طالباً منه أن يهيئ له فرسه.. طلبت منه نوار أن يهدأ قليلاً لتحدثه. وعندما رفض صاحت به سراب قائلة:
-ما هذا يا رجل؟ أناشدك الله أن تهدأ قليلاً لتسمع رأينا.
التفت مناور إلى سراب، وقال باستهزاء:
-قولي يا سراب واختصري.
قالت مزمجرة: لا تذهب إليهم، ولا تكن ضعيفاً أمامهم إنهم يريدون أن يكيدوا لك، أما سمعت عطاب وهو يقول: لو لم تهرب لما خسرنا الحرب.. إنهم جاحدون..
صاحت نوار بعصبية:
-اسكتي يا سراب وابتعدي عن مجلس الشورى، فأنت جاهلة لا تقدرين الأمور حق قدرها، دعيني أقول لأبي كل الذي يجب أن يقال:
اذهب إليهم يا أبي، فهم من لحمك ودمك، سيكونون عوناً لك عند الملمات، ودرعاً عند الشدائد.. هم رجالك وأبناء جلدتك... اذهب والحق بهم قبل أن يبتعدوا، واعتذر لهم، وأعطهم وعداً بالرحيل إلى أم التينة عندما تحين الفرصة.. إنه مجرد وعد يا أبي قد يتحقق في يوم من الأيام، فأنت الآن في خطر، وضاري كما يقولون على رأس قوة كبيرة قادم إليك، اذهب ولا تتردد.
هز الشيخ مناور رأسه الصغير، واحتضن ابنته، وطبع على جبينها قبلة، وقال: سأذهب ولن أتردد، وسأعمل بمشورتك يانوار
لم يرق الأمر لسراب التي أخذت تنظر شزراً إلى نوار، واعتبرت رد نوار إليها أمام الحاضرين إهانة لن تغفرها، وأن مشورتها هلاك لأبيها، ودمار لكل ما حقق من إنجازات، فهمست في سرها: سأعرف كيف أرد إليك الإهانة يا بنة الحرام، وانزوت في ركن قصي من الخيمة متشاغلة في ترتيب محتويات صندوقها الخشبي.
كانت نوار مزهوة بانتصارها، تنظر إلى أبيها وهو يعدو على فرسه، وطلبت من الحاضرين أن ينصرفوا..
ذهلت نوار عندما وجدت رديني ما زال واقفاً والجميع قد انصرف.. نظرت إلى عينيه طويلاً فكادتا أن تلتهمها عيناه. وضعت يدها على كتفه، وقالت بغنج:
-ما لعيني قائد الفرسان تسكنهما الهموم؟
كان رديني ما زال يغرس سهام عينيه في عينيها، ولم ينبس ببنت شفة.
-نظراتك اليوم تخيفني يا قائد الفرسان؟
قال بما يشبه الهمس: أصحيح ما سمعت؟
-ماذا سمعت؟
-أنك ستكونين لكاسر عندما يعود؟
-أجل، وهل هذا يغيظك؟
-لكن كاسراً لن يعود.
-وما أدراك؟
-سأقتنصه والله عندما يعود لتكوني لي وحدي.
تملك الغضب وجه نوار، وتشنجت تقاسيمه الجميلة وصاحت بعصبية:
-أخرج من هنا، إن اليد التي تمتد بالسوء إلى كاسر سأقطعها. خرج رديني مخذولاً مهزوماً، لكنه ردد بأسى:
-سترين يا نوار ماذا سأفعل به.
ما إن سار رديني بضع خطوات حتى سارعت نوار لالتقاط بندقية أبيها، وأطلقت الرصاص عليه في ظهره، فأردته قتيلاً.
رماد أسود يذر في العيون، وسحائب من خوف ما زالت في عليائها تتناهبها الظنون.. هواجس تتماهى في الرؤى، وزفرات تتناسل في السراب.. من يوقف العواء في كبد الظلام؟ ومن يسحق الهوام الملفع بغبار التيه؟ ومن يقتل الأفعى قبل أن تخلع جلدها؟ ومن سيتجرع سمها وقت الهجير؟
كان الفرسان الذين حملوا جثة قائدهم إلى خيمته هلعين من سطوة الجدب وقسوة الحرمان، كانوا يدركون أنها نار وأنهم الهشيم لذا لم يسأل أحد لماذا؟ ولم يجيبوا على تساؤلات الآخرين.. كانوا يقبرون الهمس في أضرحة الصمت، وينشرون أردية الذل والمهانة على حبال القهر.. حتى أبوها الذي عاد يجر أذيال الخيبة لم يسألها لماذا؟ ولم يصغ لحديث زوجته التي سمعت ورأت كل ما حدث..
جلس مناور منزوياً يعتصر رأسه بكلتا يديه ليخرج منه أفكاراً قاتمة كامنة ما زالت ترهقه دون جدوى... قرر بعدها أن يغلق حصونه وألا يسمح لأحد أن يقتحم بوابات الأمل الذي أخذ يراوده.. خادمه وحده من تجرأ على كسر القيود، وتحطيم أبواب الذهول، وجعله ينتفض مذعوراً، وهو يتمتم: ماذا تقول؟!
-إن ثلاثة فرسان يلحون على مقابلتك يا عماه.
تمتمت الشفتان الضامرتان بتكاسل:
-دعهم يدخلون يا ولدي
كانوا (مشعل، والهامة، والجراح) من فرسان الزغيب المتمردين، تعلو وجوههم أمارات الحقد والكراهية، ويترجع في صدورهم صمت السنين العجاف...
-ماذا تريدون؟
تقدم مشعل بهدوء قائلاً: نريد الأمانة يا شيخ مناور.
تلفت الشيخ مناور يمنة ويسرة، ولم يجد أحداً، وما درى أن نوار ترى وتسمع من كوة رقعتها بحدقتيها، ثم قال:
-يا ولدي لا يمكنك أن تأخذها مني الآن.
-بعد وفاة والدي آلت الأمانة إلينا، ولا يمكنك أن تسلبنا إياها دون ثمن.
-وماذا تريدون؟
-ألف رأس من الشياه.
-ألف رأس؟! أمجنون أنت؟!
-إن نوار تستحق كل ما تملك
-صحيح ولكن أمهلني بعض الوقت.
-سنعود إليك بعد هلال كامل.
-موافق.. والآن هيا اذهبوا، ولا تعودوا قبل انقضاء المهلة المحددة.
ما إن خرج الفرسان من الخيمة حتى كانت نوار واقفة أمام أبيها تنظر إليه بإشفاق، وقد انهمر الدمع مع عينيه، قالت له:
-من هؤلاء يا أبتي؟
-فرسان من القبيلة يا بنتي.
-ماذا كانوا يريدون منك؟
-لا شيء.. لا شيء.
-أنت تكذب يا أبي.
صاحت سراب بها غاضبة: ليس من البر أن تقولي لأبيك ما قلته.
-اخرسي أنت وابتعدي لئلا ينالك غضبي
ابتعدت سراب قليلاً، وجثت نوار على ركبتيها أمام أبيها قائلة:
-ماذا كانوا يريدون منك يا أبي؟
لم ينبس الشيخ مناور ببنت شفة، انهمر الدمع غزيراً من عينيه، وتوسل لابنته أن تتركه وشأنه.
هزّت نوار كتفي أبيها بقوة، وقالت:
-لكن يجب أن تقول لي الحقيقة.
-أرجوك يا بنتي، اتركيني، فلم أعد أقوى على الاحتمال.
هزّت نوار مرة أخرى كتفي أبيها بقوة أفقدته توازنه، فهجمت عليها سراب، وانتزعت زوجها منها قائلة:
-أنا سأقول لكِ الحقيقة يا نوار.. أنت لست ابنة الشيخ مناور، ولا ابنة أختي شيحة رحمها الله.
جحظت عينا نوار، وارتجفت ارتجافة مريعة، وتمتمت ناشجة:
-إذاً أنا ابنة من؟
-أنت لقيطة يا نوار.
تهاوت نوار على الأرض بلا حراك، وتاهت في غيبوبة مقيتة، وقبل أن يحنو عليها الشيخ مناور نهض، وصفع زوجته صفعة أدمت شفتيها.
***
(21)
كل ما حوله مخيف.. هزال البشر والدواب.. نفوق الإبل والشياه ومقتل الفرسان.. أساليب الرجال ومكائد النساء... حتى السحب في السماء كاذبات مخادعات لا تحمل بشائر الخير والأمل.. يا الله! ماذا جرى في الكون؟ أهي نهاية البداية أم بداية النهاية؟!
كان الشيخ حجلان يحدث نفسه، وهو يُجلد بسياط الشك وعصي الظنون ومحاصر بين وهج الرحيل وسعير الانتظار، وكان جزاع يتأمله بعينين دامعتين طالباً منه كلما همَّ بالفرار ضرورة البقاء..
قال له: إن نوار قتلت قائد فرسانها رديني، وكان يهز رأسه بأسى قائلاً: لن يكون هذا الأبله آخر قتيل.. هذه المرأة يا ولدي قتلت الأمل في النفوس، وقبرت البسمة في شفاه التحدي.. هذه المرأة ليس لها قلب يحب، ولا مشاعر وأحاسيس، وليست من جنس البشر.. لا تعرف تماماً ما يدور في خلدها.. أحياناً تبد ملاكاً وأحياناً شيطاناً رجيماً.. تتقن فن القنص، وتجيد اللعب بالمشاعر..
صهيل جواد يمزق سكون الليل، ويقطع على الشيخ حجلان حبال الذكرى المجدولة بالآهات والزفرات.. ارتجف جزاع، ونهض مذعوراً عندما سمع وقع خطوات ليست بعيدة، هرول خارجاً وإذا به أمام شبح أسود..
-من أنت؟ وماذا تريد؟
-لا شأن لك، أيقظ سيدك بسرعة، لا وقت لدي للجدال.
-إنه لم ينم بعد، تفضل.
نزع الفارس لثامه وهرع إلى الشيخ حجلان يقبل يده..
حاول الشيخ حجلان منعه من ذلك، فأبى.. ثم قال:
-أنا يا عماه رسول الشيخ بديوي العبلان إليك.
-أهلاً بك يا ولدي، ولكن لم أسمع بشيخك هذا من قبل؟
-هو يعرفك جيداً، وقد أرسلني لأطمئن على صحتك، وأعطيك هذه الأمانة.
أعطى الفارس كيساً مملوءاً بالذهب إلى الشيخ حجلان، فقال الشيخ ذاهلاً:
-ما هذا؟
-إنها لك يا عماه، ويقول لك سأرسل إليك المزيد، وإن قُدر لي، وكتب الله لي النجاة، سأزورك على رأس كوكبة من الفرسان الأشداء، وأنصرك على من ظلمك.
-بارك الله في شيخك يا ولدي، ولكن ماذا أصابه؟
-دس لـه الشيخ هدروس السم في طعامه فماتت زوجته وبقي الشيخ يصارع الموت.
-سيشفى بإذن الله يا ولدي. بلّغه تحياتي وشوقي إلى معرفته والحديث إليه.
-أوصاني يا عماه أن أطمئن على أولادك.
دمعت عينا الشيخ حجلان، وتمتم بأسى:
-أتمنى من الله أن يكونوا بخير.
-ما بهم يا عماه؟
-لا شيء يا ولدي.. لا شيء.
-هل أستطيع أن أراهم؟
-لقد رحلا، ولا أعلم أين هما الآن، وأمهم رحلت إلى جوار ربها منذ زمن طويل.
-ومن هذه التي تقوم بخدمتك؟
-إنها ابنة رجل رحل عن القبيلة منذ أكثر من عشرين عاماً، ولا أعلم أهو حي يرزق أم ميت؟ لكنها يا ولدي بمقام ابنتي، وهذا جزاع بمقام ابني زوجها الوفي.
نقل الفارس عينيه بين جزاع والعنود، وأحسسّ بشعور غريب يشّده نحو المرأة الجالسة بجوار الشيخ..
قال جزاع: لن نتخلى عنك يا عماه أبداً حتى ولو عاد ولداك، وحدسي لا يخيب بأنهما سيعودان إليك قريباً بإذن الله، البارحة قالت لي العنود بأنها رأتهما في المنام يركضان على بساط أخضر موشى بالورود.
مسح الشيخ حجلان دموعه التي انهمرت مدرارة دون أن يعي، وتمتم بتثاقل: إن شاء الله يا ولدي.
كان الصباح ندياً مثقلاً بأريج الخزامى والشيح والقيصوم، وكانت السحب السوداء كثيفة تقطر من حين لآخر دموعاً صامتة، وكان جزاع يسقي العنود نقيع الزعتر..
العنود تئن ألماً، وتزفر وهجاً يشوي الوجوه.. والشيخ حجلان يدعو الله كي يخفف آلامها التي لازمتها منذ الفجر..
لم يكن الحكيم خزام متشائماً على خلاف عادته.. بدا البشر والفرح يغزوان مسامات وجهه وجسده.. قال للشيخ حجلان إن جزاعاً سيصبح أباً.
رقص جزاع بخنجره طويلاً رقصاً أضحك الشيخ حجلان والحكيم خزام، ثم توقف بعد أن شعر بالتعب يسري في مفاصله، وقال للحكيم خزام:
-والله إن وضعت العنود ذكراً فسأعطيك خروفين، وإن كان المولود أنثى، فلن تأخذ مني سوى خروف واحد.
تعالى ضحك الشيخ والحكيم حتى دمعت عيونهم، احتج الحكيم على نذر جزاع، فقال جزاع على الفور "للذكر مثل حظ الأنثيين"، قال الشيخ حجلان: لا يحق لك يا جزاع أن تفسر آية الذكر الحكيم وفق هواك. ما أراد الله بهذه الآية المباركة هو موضوع تقسيم التركة، وأنت ما زلت حياً، ولا يحق لك أيضاً أن تفرق بين الذكر والأنثى في المودة والمحبة والعطاء.. كن عادلاً يا جزاع ليهبك الله ما تحب.
-ولكن يا عماه أريد ولداً يحمل اسمي.
-عملك الصالح هو الذي يجعل الناس يذكرونك بخير.
-أقنعتني يا عماه وأقسم لك بالله سأعطي الحكيم خزام خروفين إن جاءني مولود مهما كان جنسه. المهم أن تقوم العنود من وضعها بخير وسلامة.
-الآن أعجبتني يا ولدي، وأعلم بأن الله لن يتخلى عنك أبداً ما دمت تحمل أنت والعنود بذور الخير والحب والعطاء.
جلبة في الخارج يعلو دويها، وقرعة سلاح، وإطلاق نار يمزق سكون القبيلة..
-ما هذا؟ انظر يا جزاع ما الخطب؟
ودّع الحكيم خزام شيخه بالدعاء له، وأوصى جزاعاً أن يعطي العنود الدواء بانتظام، وخرج جزاع حتى غاب عن الأنظار..
كانت كوكبة من الفرسان يتقدمهم فارس عملاق تدك حوافر جيادهم أديم الأرض بقوة لتعزف سيمفونية الحرية والانعتاق..
هرول جزاع نحو الشيخ حجلان قائلاً:
-إنهم من فرسان شيخ المرادة الشيخ مشعان.
-ماذا يريدون؟ وإلى أين يتجهون؟
-لا أعلم ما يريدون، وإني أرى وجهتهم نحو خيمتك.
-إلى هنا يا جزاع؟
-إي والله يا عماه.
-أهلاً بهم، هيئ لهم يا ولدي مجلساً..
بلغ الذعر أشده بفرسان الزغيب.. إنهم يعرفون فرسان الشيخ مشعان وسطوتهم وقوة شكيمتهم، ومشعان هو خال ضاري وريمة.. ترى لماذا جاؤوا؟ ولم أخذوا يطلقون الرصاص في الهواء؟ ولماذا لم يأتوا إلى خيمة الشيخ مناور؟
أسئلة عديدة ترددت على ألسنتهم دون جواب، فهرعوا إلى الشيخ مناور ليخبروه بقدومهم واتجاههم إلى خيمة الشيخ حجلان، فوجدوا مناور أشد هلعاً منهم يتساءل بعصبية: لماذا جاؤوا؟ ماذا يريدون؟ دون أن ينبس أحد ببنت شفة.
ترجل فرسان الشيخ مشعان، ودخلوا خيمة الشيخ حجلان فارساً فارساً، وقبلوا يد الشيخ حجلان، وجلسوا جميعاً.
صاح الشيخ بجزاع أن يسرع بذبح الخراف المربوطة بجوار الخيمة، وأن يجهز طعام الغداء بسرعة، لكن قائد الفرسان أوقف جزاعاً ومنعه من تنفيذ أوامر الشيخ قائلاً:
-يا عماه قبل قليل أكلنا وشربنا. جئنا إليك رسلاً من قبل الشيخ مشعان الذي يقرئك السلام، ويقول لك مزيداً من الصبر، فهو قادم إليك قريباً.
-أهلاً به في أي وقت يشاء.
-أرجو أن تسمح لنا بالمغادرة لأن أمامنا طريقاً طويلاً ومهمة شاقة.
-على رسلكم، ولتحرسكم عين الله.
قال جزاع بعد رحيل الفرسان:
-أمعقول يا عماه أن يعود للشيخ مشعان رشده فينصر المظلوم، ويقتص من الظالم؟ أكاد لا أصدق؟
-سبحان من يغير ولا يتغير.
-والله يا عماه أشك أنه تغيّر من تلقاء نفسه، ولا بد من أنَّ معجزة وقعت، وأمراً جللاً قد حدث.
-ستكشف لنا الأيام القادمة ذلك يا ولدي، لننتظر، ونصبر.
-أتدري يا عماه ماذا قال لي ثويني خادم الشيخ مناور؟
-لا يا ولدي.
-ثويني يحب المال حباً جماً، وكلما دسست في جيبه النقود باح لي بسر.
-ماذا وشى لك؟
-قال إن هدروساً الذي دسّ السم للشيخ بديوي العبلان وزوجته دخيل عند الشيخ مناور.
-سينال القصاص يا ولدي، و سيطال كل مجرم مهما طال الزمن أم قصر.
-قال لي أيضاً سراً ستُذهل له، لكن قاتله الله رفض البوح به إلا بعد أن أفرغ جيوبي كلها من المال.
-وما هو يا جزاع؟
-قال لي إنّ نوار لقيطة وأثبت لي ذلك.
لقد زلزل هذا الخبر كيان الشيخ حجلان، وكاد يسقط أرضاً لولا أن تداركه جزاع، وأجلسه على فراشه، أما العنود فقد شهدت شهقة خال جزاع أن روحها فاضت منها.
تمتم الشيخ حجلان بتثاقل:
-نوار لقيطة؟! أمعقول ما تقوله يا جزاع؟ أخشى أن يكون ثويني يكذب عليك يا ولدي؟
-أقسم لك بالله يا عماه إنها الحقيقة، وقد رواها لي كاملة بكل تفاصيلها، وسأرويها لك في الحال.
-الحمد لله على كل حال.. الحمد لك يا رب.
***
(22)
خمسمائة فارس من أشد الفرسان قوة وشكيمة يمتطون صهوات خيول ضامرة، يقودهم ضاري وعلى يمينه نائبه وردان وعلى يساره الأسير فهيد.
وقف الشيخ مروح على مرتفع من الأرض وبعد أن حمد الله وشكره وجه إليهم كلمة تتضمن عدداً من الوصايا ختمها بهذه الأبيات:
السلاح أم ما تنهان تنصان
والسلاح خييّ ورضع من أمي
ومعانق النصر عزيا فرسان
ومناتي السلم بربوعنا يعمّي
والطير ما حلق بلي جنحان
التدريب وحده فارس يسمي
والناردايم تحمل الدخان
والتعب زايل إن حل سلمي
احذروا جتل الكهل والرضعان
وقصير الجناح بالعفو محمي
تانرشف من وجوه الصفا تحنان
والظلم جرح إن ما أنشد يدمي
سار الموكب والسنابك القوية تدق أديم الأرض خلف حاديها وقائدها الفارس الملثم ضاري.
قوس قزح ينثر في السماء أطيافاً سحرية تغازلها شمس عليلة. لقد أعجب ضاري بشموخ ابن خاله رغم ثقل قيوده، فهو رافع الرأس، ينظر إلى الأفق بعينين كعيني النسر، ولم يظهر تأففاً أو قلقاً ولم تهم عيناه دمعة واحدة، وكان ضاري يبتسم خلف اللثام، ويهز رأسه أسفاً، وكان الفرسان فرحين بأسلحتهم وذخائرهم يتباهون بها، ففي كل منعطف يرفعونها عالياً صائحين: الله أكبر.
في منتصف الطريق رفع ضاري يده، فتوقف الفرسان عندما صاح وردان صيحته المشهورة، طلب ضاري منهم أن يرتاحوا قليلاً، وانفرد بالأسير، سار معه عشرات الأمتار بعيداً عن الموكب، ثم كشف ضاري عن لثامه، فذُهل فهيد، وتلعثم، ولم يعد يقوى على الحديث وبعد لأي تمتم بصوت خافت متقطع:
-يا الله؟؟ من أرى؟ ضاري؟
-لا ترفع صوتك، ولا تتطلع علي هكذا لئلا تفسد خطتي..
-ولكن ماذا جاء بك إلى هنا؟
-قل لي أنت أولاً لماذا غزوتم هذا الرجل الطيب، وحرقتم خيامه، وسرقتم حلاله، وقتلتم عدداً من رجاله ونسائه؟
-والله لم يكن قصدنا إيذاءه.. وكانت محاولة لإقناعه بإيواء جزء من القبيلة في أراضيه..
-أتسمي التخريب والنهب والقتل إقناعاً؟
-أجبرنا على ذلك، لأننا اصطدمنا بمقاومة لم نكن نتوقعها، والأنكى من ذلك صيحات ذلك الفارس الذي صاح منذ فترة قصيرة لقد نثر الرعب والخوف في أوصالنا
-ولمَ تسللت إلى خيمة الشيخ مروح؟
سكت فهيد طويلاً، ونكّس رأسه خجلاً، فصاح به ضاري: تكلم يا فهيد
-كنت أنوي خطف ابنته الجميلة هدوة.
-يا لك من فاجر.. أتعرف أن ريمة كانت تنام معها على فراش واحد.
-ريمة؟ وماذا جاء بها هي الأخرى؟!
ـ تلك قصة طويلة سأرويها لك فيما بعد، ولكن شيئاً واحداً يجب أن تعلمه، هو أني وأختي مدينان بحياتنا إلى الشيخ مروح، وأنا على استعداد لأن أضحي بحياتي من أجل ألا يصاب هذا الشيخ بسوء أبداً.
ـ فهمت يا ضاري، لكن أرجوك أن تحل وثاقي، فلقد آلمني، ومن ثم أنا جائع.
ـ سأحل وثاقك، وأطعمك، لا تخف، ولا أريدك أن تتكلم.
ـ كما تشاء.
ـ أطلب منك شيئاً آخر.
ـ ما هو؟
ـ أن تساعدني في إقناع أبيك لقبول ما سأطلب منه.
ـ سأفعل، فهو لا يرد لي طلباً، لكن لمَ جئت بكل هذا العدد من الفرسان؟
ربما ذلك يغضب أبي.
ـ والله لا أنوي شراً بل على العكس لأضعهم في خدمة خالي.
ـ أصحيح ما تقول؟
ـ أجل يا بن خالي، والآن أريد أن أسألك سؤالاً آخر، هل كنت تدري بان الشيخ لم يكن موجوداً في القبيلة؟
ـ لا.. كل ما أعرفه أن فرسانه وفرساناً كثيرين معهم قد رحلوا منذ أيام إلى جهة مجهولة، لقد راقبناهم جيداً وكدنا نقع في قبضتهم لولا رحمة الله.
ـ قل الحظ حالفكم، فرحمة الله لا تنزل إلا على الطيبين الشرفاء ثم أريد أن أخبرك خبراً ربما أغاضك.
ـ ما هو؟
ـ ـ هدوة هي خطيبتي، وستكون زوجتي قريباً، وريمة ستكون زوجة لابن الشيخ مروح.. هايل..
ـ ماذا تقول؟!
ـ أقول الحقيقة.. لقد انتهى كل شيء..
لم تكن الرحلة شاقة أو عسيرة.. كانت مخاض الفرح.. الفرسان مسرورون بأسلحتهم الحديثة ألهَتهم عن الطعام والشراب كانوا يحتضنونها بلهفة، مصممون على الانتقام، ثقتهم بمقدرتهم وبسلاحهم الحديث كبيرة، وعندما أومأ لهم ضاري بالمسير، وصاح بهم وردان صيحته المجلجلة هبّوا بسرعة رافعين أسلحتهم في الهواء وكلمة الله أكبر تدوي في الفضاء..
لم يعد ضاري الوثاق إلى يدي ابن خاله، وسار معه في مقدمة الفرسان، حتى وصلوا جميعاً إلى مشارف قبيلة المرادّة، عندها أومأ ضاري بيده إلى فرسانه، وصاح بهم وردان، فوقفوا جميعاً. تقدم ضاري إليهم قائلاً:
- أيها الفرسان.. أرجو أن تمكثوا في أماكنكم ريثما أعود إليكم، أو يأتيكم رسولي ومعه هذا المنديل..
وأخرج ضاري من جيبه منديلاً أخضر تعوّد حمله.
قال وردان: لن نصبر على فراقك طويلاً يا أخي، واعلم إذا لم تأت، أو إذا لم يصلنا رسولك ومعه المنديل بعد فترة قصيرة سنهاجم القبيلة.
صاح به ضاري غاضباً:
ـ ما هذا الذي تقوله يا وردان؟ لن أسمح لأحد منكم أن يبرح مكانه إلا بإذن مني.
ـ أقول يا أخي إذا لم يأت رسولك، وإلا فماذا تريدنا أن نفعل؟
ـ وأنا أقول لك سيصل إليكم رسولي ومعه هذا المنديل.
ـ كما تريد يا أخي.
سار ضاري يرافقه ابن خاله، ولم يطلب من أحد مرافقته.. كانت قبيلة المرادة في حالة استنفار قصوى منذ أن أسر قائد فرسانها وابن شيخها فهيد، وقد رأى فرسان استطلاعهم جيش ضاري الكبير يقترب منهم، فأسرعوا إلى شيخهم وأخبروه..
كان الشيخ مشعان يعقد اجتماعاً في خيمته لتدارس الوضع الخطير الذي يكتنفه، وسبل التصدي، لكن المفاجأة أسقطت كل الأوراق وعقلت الألسنة وعطلت العقول، وجعلت الشيخ مشعان يهب واقفاً مع وجوه القبيلة وولديه لحفلة عناق مبللة بالدموع.
قال الشيخ بعصبية:
ـ والله لو لم تأت يا ولدي لغزوت الشيخ مروّح، وجعلته وأفراد قبيلته في مهب الريح.. لكن الحمد لله الذي كفاني شره وحماني من وزره، لكن كيف التقيتما؟!
وما هذا الجيش الذي رافقكما؟!
ـ الفضل لله ولابن عمتي ضاري يا أبي.
ـ أين كنت يا ضاري؟ أما سمعت بما جرى لأبيك؟ لقد أرسلت منذ يومين كوكبة من فرساني ليطمئنوا عليه، وليخبروه بأنني قادم إليه بعد أيام..
ـ شكراً لك أيها الخال الحبيب، وأتمنى من الله أن تكمل معروفك لتسدد الدين الكبير المسكون في رقبتي؟
ـ أبشر يا ولدي، وأعلم بأن دينك مقضي مهما كان نوعه لكن قل لي لمن هذا الجيش الرابض عند مشارف القبيلة؟
ـ إنه جزء من جيش الشيخ مروح أرسله لخدمتك يا خالي؟
ـ من جيش مروّح؟! أرسله ليخيفني أليس كذلك؟
ـ لا والله يا خال:
بالعين نشوف الورد والشوك
وشوف الورد مبهج يسر
والماشي بدروب الشوك منهوك
خطوة بخطوة مباري الضر
يا خال فعل الطيب مسلوك
وجزل المعاني مصيد الحر
دلني على نوبه جوك آذوك
وارتادوا مضاربكم بكر وفر
كرما لوصل الرحم لفظ أرجوك
ووجوه الخير ما تجاوزت بشر
محلى الصديج اللي ربعه يحيوك
وعند الملاقى يلاحح تا يمر
سرت همهمة بين وجوه القبيلة، ما لبثت أن تعالت، فنكّس الشيخ مشعان رأسه متمتماً:
ـ يا لك من رجل طيب يا أبا هايل؟! واخجلي منه والله.
قال فهيد:
ـ والله يا أبي لم أكن أعلم بعظمته وكرمه وتسامحه، وإنني مدين له بحياتي، وأتمنى من الله أن يمد في عمري لأفي ديني هذا.
قال الشيخ مشعان:
ـ ما قصة الديون هذه؟ ضاري في عنقه دين، وأنت كذلك. ماذا تريدون مني أن أفعل؟ أجيبوا.
قال ضاري:
ـ أن ترد للشيخ مروّح كل ما سلب منه، وتتحالف معه على الخير وتستقبل فرسانه، فأنا قائدهم.
اقترب فهيد من أبيه، وعانقه، وتوسل إليه أن يستقبل الفرسان فهم ينتظرون إشارة منه.
قال الشيخ مشعان: أرسل يا ضاري في طلبهم على الرحب والسعة. تلفت ضاري يميناً وشمالاً، فوقعت عيناه على مردود ابن خاله، فناداه، وعانقه ببرود، فقال ضاري وقد أخرج المنديل من جيبه:
ـ خذ هذا المنديل يا مردود، واذهب إلى فرساني، ودعهم يأتون بالحال.
تردد مردود، ثم صمت، فقال له الشيخ مشعان:
ـ هيا يا مردود..
ردّ مردود متجهماً: أعتذر يا شيخ عن هذه المهمة، وليعلم الجميع أن الشيخ مروّح سيبقى عدوي إلى الأبد.
اختلجت قسمات وجه الشيخ مشعان، وبدا عليه الغضب، فتقدم من مردود، وصفعه صفعة قوية أخلت توازنه، فسقط على الأرض، وطرده من مجلسه، فتمتم مردود تمتمات لم يفهمها ضاري.
وقف ضاري أمام الشيخ مشعان عندما رآه يحاول إشهار مسدسه، وأمسك يده حتى غادر مردود الخيمة، وهو يردد، سأعرف كيف أرد هذه الإهانة.
قال ضاري بهدوء: لا عليك أيها الخال. أنا سأذهب إلى فرساني وآتي بهم إلى هنا.
صاح الشيخ مشعان غاضباً: لا. لن تذهب أنت.
ـ والله لن يذهب أحد غيري.
كان الفرسان في حالة من القلق شديدة، لقد تأخر عليهم رسول ضاري، تنفسوا الصعداء عندما رأوه مقبلاً عليهم، طالباً منهم اللحاق به مبشراً بتحقيق ما وعد به.
كان يوماً رائعاً أمضاه الشيخ مشعان وضاري بين الفرسان.
قال الشيخ دهشاً: من أين للشيخ مروّح كل هذا العدد وهذا السلاح؟
ـ يا خال صدقني إنهم جزء من قوة كبيرة يمتلكها الشيخ مروّح، وماذا لو رأيت فرسان الشيخ شعلان وفرسان الشيخ منديل الذين انضموا إليه؟
ـ الشيخ شعلان والشيخ منديل انضما إليه يا ضاري؟
ـ نعم وستنضم أنت وفرسانك إليه، وستصبحون قبيلة واحدة تفرض الأمن والعدل في نفوس كل البداة.
ـ نعم. نعم لا بد والله من ذلك.
ـ صحيح يا خالي؟
ـ صحيح يا ابن أختي، وسنعيد بإذن الله لكل صاحب حق حقه، وأولهم أبوك.
ـ لكن من أخبرك بوضع أبي؟
ـ فارس جاء البارحة اسمه كاسر.
ـ كاسر! أين هو الآن؟
ـ إنه محموم منذ وصوله، وقد عالجه الحكيم، ونأمل أن يكون قد تماثل للشفاء الآن، وهو موجود في خيمة ولدي سالم، سنزوره بعد قليل لنطمئن عليه.
ـ شكراً أيها الخال، وأحب أن أعرف من سينضم إلى هذا التحالف الأخوي؟
ـ إعلم بأن الشيخ صفوك شيخ الرميح، والشيخ منصور شيخ الدفينة، والشيخ رواس شيخ الكعرة كلهم معي وستسير جيوشهم مع جيشي وجيش الشيخ مروّح.
ـ بارك الله فيك أيها الخال، ونصرك على أعدائك.
ـ بارك الله فيك أنت يا ولدي، لقد أزحت غمامة كبيرة كانت تحجب عن عيني رؤية الحق، ولا أعرف كيف سأكافئك.
ـ بالعفو والتسامح والمحبة والإيثار أيها الخال.
ـ ممن يا ولدي؟
ـ من الجميع وعلى رأسهم مردود.
ـ مردود يا ولدي مجنون، يعتقد أن دم أبيه في رقاب الناس، قتل أبوه مع ولدي خشمان وعفّتان وموتهم كان قضاءً وقدراً، لا علاقة للشيخ مروّح بهم، نحن الذين نقتل ونسرق، ويرسل إلينا أكثر مما نهبه فرساني منه.
ـ والآن أتسمح لي بزيارة صديقي كاسر؟
ـ أجل يا ولدي، اذهب إليه إنه هناك وأشار الشيخ إلى خيمة خماسية.
كان مردود في خيمته يفكر مرغياً مزبداً بما سيقدم عليهن وقد فاجأه ضاري بقدومه. وقف مردود دهشاً، فتقدم ضاري إليه، وعانقه بحرارة قائلاً:
ـ لم أكن أعرف أن ابن خالي الفارس المقدام مردود يحمل قلباً مليئاً بالحقد والكراهية..
ـ ماذا جاء بك إلى هنا؟
ـ أحبك يا بن خالي.
ـ أجئت لتنقذ الشيح مروّح من العقاب؟ إن كانت لديك نخوة فأنقذ..
ـ كفى حقداً.. سأنقذ أبي، وما جئت إلى هنا إلا لأنقذكم أنتم أولاً.. أنت جاهل لا تعي الأمور جيداً. أبوك رحمه الله لم يقتل على يد الشيخ مروّح، فالشيخ طوال عمره لم يقتل أحداً لا هو ولا فرسانه، وهذه أول مرة تخرج جموع فرسانه خارج حدود قبيلته.
ـ لكنه قُتل على يد لصوص الشيخ مروّح.
ـ اللصوص موطنهم قبيلة المرادة، وأنت تعرف ذلك جيداً، فالشيخ مروّح كان هو الذي يُغزى من قبلكم، ولا يردّ على الإساءة بالإساءة، وأنت أدرى بذلك، صدقني يا بن خالي أنت واهم، آه لو عرفت الشيخ مروّح لما فارقته، إنه نبع الخير والعطاء والإيثار والرجولة، ستتعرف عليه برفقتي أليس كذلك يا مردود؟ أرجوك تكلم.
صمت مردود طويلاً، ما لبث أن هزّ رأسه موافقاً، فعانقه ضاري قائلاً:
ـ ستكون قائد فرسان الشيخ مشعان، ولك الكلمة الطولى، والآن أرجوك أرشدني إلى مكان كاسر.
ـ هيّا..
كانت مفاجأة كبيرة لم يكن يتوقعها كاسر قط.. احتضن ضاري صديقه وساعده الأيمن في قبيلة الصافي، والدموع تبلل الوجنات.. قال كاسر ناشجاً:
ـ أين كنت يا أخي؟ والله لم أترك مكاناً تراءى لي إلا وذهبت إليه لأراك، فقد أقسمت للفرسان ألا أعود إلا برفقتك.
ـ أنت تخاف علي يا كاسر؟
ـ بل الخوف على أبيك.. الشيخ حجلان..
ـ أنت الخوي من ريحة دياري
والعلوم الوردتني تغثاني
أنشد على الرفاجا وجاري
والوالد اللي مالو غيري ثاني
وعهدٍ عليّا آخذ بثاري
من المفتن اللي بتهمه ابتلاني
يا كاسر ما دام الدم جاري
ما أنسى الآهل وجموع خلاني
لا تخف يا أخي على أبي، سيرجع بإذن الله وبعد أيام إلى ما كان عليه، وسينال الغادر جزاءه، جهّز نفسك للرحيل معنا غداً إن شاء الله.
ـ أنا جاهز منذ الآن إلى أي مكان تريد يا قائدنا.
كان فرسان ضاري لا يدركون بم يفكر فيه قائدهم.. لقد جاء بهم ليقاتلوا عرب الشيخ مشعان. ويسترجعوا ما سلب منهم، ويغنموا من أعدائهم ما يلبي احتياجاتهم، ولكن هاهو قائدهم يعانق شيخ اللصوص، ويطلق سراح الأسير.. حتى وردان تملكه الذهول، وراودته الشكوك والظنون..
تقدم وردان من ضاري طالباً محادثته على انفراد.. سارا بعيدين عن أعين الآخرين، وبعد صمت طال مداه قال وردان:
ـ أرجو يا أخي أن تعطيني تفسيراً لما حدث ويحدث الآن.
ابتسم ضاري ابتسامة عريضة، وربت على كتف وردان قائلاً:
ـ أتشك بما أفعله يا وردان؟
ـ لم أستوعب ما تفعله يا أخي، والفرسان يتساءلون عن الحقيقة، ولم أستطع الإجابة عن تساؤلاتهم.
ـ يا وردان.. لقد تعلمت من الشيخ مروّح الكثير.. ولقد علمني الصبر والحكمة والأناة.. هذا غير الذي تعلمته في مجلس والدي. أذيع لك سراً ربما أدهشك وأفقدك توازنك؟ أنا ابن أخت الشيخ مشعان، والأسيرة كان ابن خالي ومردود هو ابن خالي أيضاً. والله لو لم يستجيبوا لمطالبي لقاتلتهم حتى آخر قطرة من دمي.
ـ وماذا طلبت منهم؟
أن يردّوا كل ما سلب من القبيلة، وأن يعوضوا على رجالنا خسائرهم من الحلال وديات القتلى، والأكثر من ذلك والأهم هو التحالف مع قبيلة الشيخ مروّح.
ـ وهل وافقوا على كل هذه المطالب؟
ـ وافقوا دون قيد أو شرط، فهل تعرفني أمزح في مثل هذه الأمور؟
ـ وكيف استطعت إقناعهم بشروط الاستسلام هذه.؟
ـ بما تعلمته وعرفته وأدركته في مجالس الشيوخ الكبار، وقد ساعدني على ذلك الأسير فهيد ابن خالي.
ـ أهكذا إذن؟
ـ أجل يا وردان.
ـ ومتى سنرحل إلى قبيلتنا؟
ـ غداً مع الفجر إن شاء الله.
ـ أخشى يا أخي من خدعة.
ـ لا تخف سأنام بينكم في ظلال هذا الوادي، وأنا على استعداد لكل طارئ.
ـ الحمد لله.. الحمد لله.. أستطيع الآن أن أنام مرتاحاً.
***
(23)
كان الحدث كبيراً لم يكن يتوقعه الشيخ مروّح، ولا وجوه قبيلته عندما جاء البشير معلناً قدوم ضاري وفرسانه، والحلال المسروق، والغزاة مقيدين بالسلاسل، ولم ينتبه ذلك البشير إلى وجود الشيخ مشعان بينهم.
كانت المفاجأة مذهلة لدى رؤية الشيخ مشعان، وهو يترجل من جواده، ويفتح ذراعيه للشيخ مروّح..
جمد الشيخ مروّح في مكانه بعض الوقت، وخرس لسانه لهول المفاجأة، إنه يعرف الشيخ مشعان وتكبره وحقده وكراهيته له منذ أن منعهم من احتلال أرضه في زمن مضى، ورفضه تزويج ابنته لولده فهيد.
تقدم ضاري نحو الشيخ مروّح الذي ما زال جامداً كالصنم يحملق في عيني الشيخ مشعان..
قبّل ضاري يد الشيخ مروّح، وما تحولت عينا الشيخ المصوبتان نحو عيني الشيخ مشعان..
قال ضاري: عماه.. ها هو الشيخ مشعان جاء ضيفاً عليك هو وبعض وجوه قومه وكوكبة من فرسانه، مدَّ يدك وصافحه.
مدَّ الشيخ مروّح يديه، واحتضن الشيخ مشعان، وتعانقا طويلاً..
قال الشيخ مشعان:
ـ ها قد جئتك بنفسي أمد يد الإخاء والحب إليك.
فأجابه الشيخ مروّح متنهداً:
ـ ومتى كانت يداي مغلولتين.. طوال حياتي، وأنا أمدها إليك وإلى الآخرين.. سامح الله من كان السبب، وقاتل الله الطمع.
ـ لا تذكرني يا شيخ مروّح بالماضي، وإني أشكرك على إرسال ولدي فهيد حياً.
ـ أنا يا شيخ مشعان وكل القبائل تعرفني أشتري الحب والخير بكل ما أملك.
ـ لنفتح صفحة جديدة في علاقتنا، وها هم وجوه القبيلة معي جئنا لنعلن للملأ إننا معكم في السرّاء والضرّاء.
_ الحمد لله على كل حال يا شيخ مروّح.. هؤلاء الغزاة الذين روعوا النائمين، وأحرقوا خيامك، ونهبوا حلالك، جئتك بهم لتنظر في أمرهم، وهذا هو حلالك المسروق أرده إليك، وفوق كل هذا أقدم لك اعتذاري عما حدث.
صاح الشيخ مروّح:
ـ يا سبع.. وردان.. هايل.. فكّوا قيود إخوانكم، وأطلقوا سراحهم، وأعطوهم الحلال الذي جاء به الشيخ مشعان..
عانق الشيخ مشعان ثانية الشيخ مروّح، واحتضنه طويلاً قائلاً:
ـ لم أكن أعرف والله أنك بهذه الشهامة والرجولة والقوة..
قال ضاري مقاطعاً:
ـ يا شيخ مشعان سترى في الشيخ مروّح ورجاله صفات الأنبياء والقديسين
قال الشيخ مروّح، وقد مسح دمعتين همتا على صحن خده.
ـ أهلاً بكم جميعاً أخوة وأقرباء وأصدقاء.. منذ اليوم هذه الأرض أرضكم والرجال رجالكم والحلال حلالكم.
هلل الشيخ مشعان قائلاً:
ـ بارك الله فيك، ولا حرمنا من كرمك أبداً، وأعلن أمامكم قسمي بالله ثلاثا إننا منذ اليوم قبيلة واحدة، ولن يكون شيخ هذه القبيلة الموحدة سوى الشيخ مروّح..
جلس الجميع في خيمة الشيخ مروّح، وجاء طرماح بالقهوة المرّة، فوضع الشيخ مشعان الفنجان على البساط، وأخذ ينظر في عيني الشيخ مروّح.
تلفت الشيخ مروّح نحو ضاري ووجوه القبيلة، فرأى الابتسامة تعلو محياهم، وقال:
ـ أشرب القهوة يا شيخ مشعان، فوالله ما رددت طالب الخير ولو كلفني طلبه رقبتي..
ردّ الشيخ مشعان قائلاً بعد أن أحتسى قهوته:
ـ يا شيخ مروّح.. يا وجوه القوم لا أطلب والله إلا الخير.. أناشدكم أن نسرع بفرساننا لنعيد للشيخ حجلان ملكه الذي استولى عليه ظلماً وعدواناً ذلك اللئيم الشيخ مناور، وأحب أن أعلمكم إن الشيخ حجلان هو أبو ضاري هذا الفارس الشجاع الشهم الذي كان سبباً في تقاربنا ووحدتنا، وإنني أنا خاله، وأشار إلى قائد فرسان الشيخ مروّح..
صعق الجميع لهول المفاجأة، وجمدت الأنفاس.. كل العيون شاخصة نحو ضاري الذي رفع رأسه واقترب من الشيخ مروّح، وعانقه بلهفة، قال الشيخ:
ـ إذن أنت ضاري ابن الشيخ حجلان؟
ـ نعم يا عماه.
ـ لِمَ أخفيت عني حقيقة أمرك.
ـ اسمع يا عماه.. والله ما خنتك يوماً ولن أخون الزاد والعشرة.. أنت من أنقذ حياتي وحياة أختي، وسأبقى مديناً لك بحياتي ما حييت، واعلم إنه لو اختار خالي الشيخ مشعان الحرب على السلم لحاربته بكل ما أملك من قوة وعزيمة حتى أرد الحق إليك لكن الشيح مشعان آثر السلم والوقوف إلى جانبك، صحيح إنني ابن الشيخ حجلان لكنك أنت الآن أبي وعمي وشيخي ومصيري بيديك ولن أكون إلا معك طوال عمري.
وقف الشيخ مروّح قائلاً:
ـ ليسمع الجميع بأننا سنرحل غداً إلى عرب الصافي عرب الشيخ حجلان، ونعيد له ملكه المسلوب، وسنعاقب الظالم مناور على ما ارتكب بحق الشيخ حجلان عقاباً مناسباً، وسأطلب منه المصاهرة لتتوثق عرى الأخوة والصداقة بيننا، وسيظل ضاري قائداً لفرساننا، ووجهاً من وجوه قبيلتنا مدى حياته.
نحرت الجزور، وعلت زغاريد الفرح أرجاء القبيلة، ورحل الشيخ مشعان ليجهّز فرسانه ورجاله لرحلة شاقة وطويلة وبقي الشيخ مروح في الخيمة مع وجوه قبيلته، وسار ضاري وكاسر ووردان متجهين إلى خيمة ضاري.
قال ضاري لكاسر: حدثني يا أخي عن أحوال القبيلة.. تنهد كاسر وقال بحرقة:
ـ العم سطام والعم ناهي رحلا عن القبيلة إلى الجزيرة الفراتية، وفرسانك انتقل عدد منهم إلى رحمة الله غيلة وغدراً على يد نوار لكنهم تمكنوا قبل قتلهم من قتل أم نوار وعدداً من فرسان الزغيب.
ـ ووالدي يا كاسر؟
ـ لا حول له ولا قوة، لقد زرته قبل مجيئي. كان محطم الأعصاب، ولولا جزاع والعنود لحلّت به كارثة أخرى.
ـ وعمتي يا كاسر؟
ـ انتقلت إلى رحمة الله بعد أن أوصت أباك بك وأختك خيراً وبجزاع والعنود ليتزوجا، ويسكنا في خيمتهما.
ـ ونوار يا كاسر؟
ـ نوار ما زالت تنتظرني لتتزوج بي.
ـ ماذا تقول؟
ضحك كاسر طويلاً، وقال:
ـ لقد أعطتني حلالاً ومالاً كثيراً.. تصور كل ما أخذته من أبيك هو عندي الآن أمانة، سأرجعها إليه حال عودتي.
ـ ولكن كيف؟
ـ تلك قصة طويلة سأرويها لك بتفاصيلها فيما بعد.. يا لها من غبية وساذجة، ولا أعرف كيف استطاعت أن تهيمن على القبيلة بمفردها؟!
ـ ستنال عقاباً يليق بها إن شاء الله.
سكت ضاري عندنا شعر أن رجلاً قادماً إلى الخيمة.. وقف ووقف إلى جانبه كاسر ووردان.. لقد كان القادم هو الشيخ مروّح..
تنحنح الشيخ مروّح، وألقى السلام، ثم أمسك يد ضاري قائلاً:
ـ هكذا يا ضاري تخفي عني الحقيقة؟ لماذا يا ولدي فعلت ذلك؟
ـ يا عماه.. قلت لك كل شيء بأوانه.. لم أرد أن أخبرك بسوء الطالع الذي لازمنا منذ زواج أبي ولا كيف طردني أنا وأختي من القبيلة، ولا صلتي بالشيخ مشعان عندما عرفت أنه عدوك وأمور أخرى حالت دون أن أحدثك بما هو واجب علي..
ـ أتدري يا ولدي كنت على يقين من أنك ابن شيخ أصيل، ولكن عجزت عن معرفة اسم أبيك. على كل سامحك الله، وفي الغد سترى يوماً مشهوداً عند أبيك.
ـ ولكنني لن أستطيع أن أذهب معكم إلى قبيلتنا.
ـ لا تذهب معنا؟! ألا تذهب إلى أبيك؟!
ـ يا عماه لقد أقسم أبي بالله ثلاثاً ألا يراني أنا وأختي إلا في اللحد.
ـ ولمَ يا ولدي؟!
ـ تلك قصة أخرى طويلة سيأتي اليوم المناسب لأتحدث إليك بها.
ـ أرى أنك مغرق بالأسرار والألغاز!
ـ هذا قدري، وعلي تحمل التبعات..
ـ لا يا ولدي ستذهب معنا لتقود الفرسان كلهم وقبل أن نصل أباك، سنحفر لحداً تستلقي فيه أنت وأختك ليراكما فيه، ويكون بذلك قد وفى بقسمه فما رأيك؟..
ذهل ضاري والواقفون على سداد الرأي وفطنة الشيخ وروعة تصريفه للأمور ومعالجتها، وقال ضاري:
ـ كيف وجدت الحل بهذه السرعة يا عماه؟
ـ يا بني الحاجة أم الاختراع.. والله لن نسير إلا وأنت معنا، وستسير معك هدوة وريمة وهايل وأمه، لنعلن خطبتك على هدوة هناك وكذلك هايل وريمة، أم تكون قد غيرت رأيك؟
ـ لا يا عماه، فذلك شرف كبير لي ولأختي.
ـ إذن أطلب منك أن ترتاح قليلاً لتستعد إلى رحلة الغد إن شاء الله.
ـ كما تريد يا عماه.
بعد ذهاب الشيخ مروّح قال ضاري لكاسر:
ـ ألا تعرف بأنني التقيت أبا العنود؟
ـ متى تعني يا ضاري؟
ألا تعرف العنود التي تخدم في بيتنا؟
ـ أجل.. إنها الآن زوجة جزاع، فمن أبوها؟
ـ إنه الشيخ بديوي العبلان شيخ المهاجر.
ـ وكيف عرفته؟
ـ التقيته قبل أن آتي إلى هنا، لكنه لم يعرفني، وقد أخفيت عليه حقيقة أمري.
ـ لكنه لم يبح لي بذلك؟
ـ أتعرفه إذن؟
ـ أجل، وقد مكثت في ضيافته ثلاثة أيام وأنا أبحث عنك، وكان مثال الكرم والشهامة.. تصور سألته: ألم يمر بدياركم رجل وأخته، وكنت بارعاً في وصفكما، فكان يحدق في عيني ويهز رأسه حتى أخافني والله..
ـ ربما كان يعتقد أنك تبحث عنا لقتلنا..
ـ الآن فهمت سر نظراته المخيفة، ومراقبته الدقيقة لي.
شعر كاسر بدوار غريب في رأسه، فاتكأ على ضاري، وجلس يئن من الألم.
ذهل ضاري من عودة الحمى إلى كاسر، وألمه المفاجئ، فسار برفقة وردان ليجلبا له الحكيم المهادي..
حاول كاسر أن يتغلب على ألمه فلم يستطع، خطا عدة خطوات على الأرض، حاول ثانية فوقف، وكاد يقع لولا دخول ريمة الخيمة، فأسندته، وأجلسته على الفراش.
كانت حرارته كاوية، استطاعت ريمة أن تسقيه من علاجها الذي سبق أن أعطاها إياها الحكيم المهادي عندما شعرت بالدوار، وكان ذلك العلاج بلسماً شافياً له.
وضعت ريمة يدها على جبين كاسر، وقالت:
ـ الحمد لله.. أنت يا كاسر لا تستحق إلا الخير.
ـ شكراً يا زينة البنات.
ـ لم تتغير يا كاسر؟
ـ لكنك أنت التي تغيّرت كثيراً.
ـ لو مرّ عليك الذي مرَّ علينا لشاب شعر رأسك.
ـ لكنك ما زلت أجمل البنات.
ـ شكراً يا كاسر. ألم ترزق بأولاد؟
ـ إنها إرادة الله، وأتمنى أن أرزق من امرأة أخرى.
ـ وهل وجدت تلك المرأة؟
ـ وجدتها لكنها آثرت غيري.
ـ ليس لها في الطيب نصيب يا كاسر أتمنى أن تجد غيرها.
ـ صعب يا ريمة، لن أجد مثلها في العالم كله.
ـ إلى هذا الحد كنت تحبها؟
ـ هي والله كل حياتي.
قطع دخول الحكيم المهادي وضاري ووردان حديث كاسر، وذهل ضاري من تحسن صحة كاسر، فصاح بفرح:
ـ الحمد لله على سلامتك يا أخي.
ـ الشكر لله ولريمة التي عالجتني.
ابتسم الحكيم المهادي، ونظر في عيني ريمة متسائلاً:
ـ ماذا فعلت له يا ريمة؟
ـ لقد أسقيته من الشراب الذي أعطيتني إياه عندما لفني الدوار في وقت مضى.
ـ أحسنت يا ريمة، وسأقول للشيخ مروّح أنه في حال غيابي عليه بريمة فهي خير حكيمة.
ضحكوا طويلاً، ثم استأذن الحكيم المهادي بالانصراف، وتبعه وردان، ثم التفت ضاري إلى ريمة قائلاً:
ـ اذهبي أنت ونامي مع هدوة، أما أنا فسأنام بجوار أخي وصديقي لنتفقد فرساننا فالرحلة طويلة وشاقة.
***
(24)
موكب الخير يسير الهوينى، يحمل بشائر الفرح، ويقبر الحقد والضغينة إلى الأبد..
سنابك الخيل تعزف بنشوة كل ألحان العشق البدوي، وأعرافها سكرى بأريج الظفر..
الوجوه المخددة يفوح منها عطر الخزامى والشيح، وينزّ منها عرق السنين العجاف..
العيون ترنو إلى البعيد لتعانق أطياف الآتي بلهفة، والشفاه تروي بتكاسل قصص الحلم الكابوس الذي أحنى الظهور ونشر القتير..
هو الخير وصراعه المسمّر مع الشر قد أوجد لطعم الحياة مشتهى، ولهوادج الفرح مستقر..
الشيوخ ومعهم ضاري يسيرون وخلفهم ثلاثة هوادج الأول لرمثة زوجة الشيخ مروّح والثاني لهدوة ابنته والثالث لريمة بنت الشيخ حجلان..
وكان مئات الفرسان تدق سنابك خيلهم طبول الفرح وتدك بقوة كل أرض رخوة هجرها اليباس..
عند بئر الصخر التقى الجمعان موكب الشيخ مروّح وموكب كبير في مقدمته شيخ الحواملة الشيخ شعلان وشيخ الرميح الشيخ صفوك وشيخ المرادة الشيخ مشعان..
كان كل موكب يحمل رايتين الأولى بيضاء رمزاً للسلام والنقاء، والثانية خضراء رمزاً للخير والعطاء..
ساروا جميعاً في طريق أشار إليه ضاري..
ثقال الشيخ مروّح مستغرباً:
ـ لمَ يا ولدي تريدنا أن نسير على هذا الطريق؟
ـ أريد يا عماه أن يرافقنا الشيخ بديوي العبلان شيخ المهاجر..
ـ أتعرفه يا ضاري؟
ـ أبو العنود يا عماه من كرام الناس، وأرجو أن تسمحوا لي أنا وكاسر في السبق إليه حتى لا يفاجأ بمقدمكم.
ـ اذهبا على بركة الله ونحن وراءكما.
كان أبو العنود في غاية السعادة لما سمعه من ضاري، وعندما حدّق في عيني كاسر ضحك طويلاً، وقال:
ـ اعذرني يا ولدي لقد خفت على ضاري منك.
ـ من حقك يا أبا العنود أن تخاف عليه، وأنا أشكرك على حسن ضيافتك وصدق وفائك.
ـ يا الله ما أسعدني وسأقيم للموكب الكبير احتفالاً لم تشهده البادية من قبل.
ـ أي احتفال يا عماه؟
ـ أريد أن يكون كل الآتين في موكب الخير ضيوفاً على مائدتي، وسأرحل بعدها معكم إلى الشيخ حجلان وإلى ابنتي العنود.
ـ ألم تذهب إليها بعد؟
ـ منعني من الذهاب إليها اعتلال صحتي وبعض الهموم في قبيلتي.
ـ وكيف ترى صحتك الآن؟
ـ لست بخير والله، فقدت زوجتي. لقد قتلها المجرم هدروس، وأراد قتلي أيضاً بالسم نفسه، لكن لن يفلت من يدي ما دمت حياً.
ـ عندما ترحل يا عماه معنا ستجد الأمان والحب والوفاء.
ـ أجل يا ولدي، فقلبي متلهف شوقاً لرؤية العنود.
مسح أبو العنود دمعتين ترقرقتا على حدقتيه وقال:
ـ أتدري يا ضاري متى ماتت أم العنود؟
ـ رحمها الله.. قيل لي إنها ماتت من كثرة ما ذرفت عليك دموعها.
ـ يا لها من وفية.
رفع أبو العنود رأسه عالياً عندما جاء خادمه معلناً قرب وصول الموكب الكبير، فصاح به:
ـ قل للرعاة يا ولدي أن يذبحوا القطيع القريب كله لضيوفنا، وليعجلوا بالطعام.. هيا...
هرول الخادم بطريقة مضحكة أوقعت ضارياً على الأرض وجمعت عينا كاسر..
وصل الموكب الكبير، فهلل الشيخ بديوي وفرسانه بالضيوف، وأمضوا يوماً في رحاب كرمه، ومع الفجر رحلوا جميعاً.
كان صوت أحد الرعاة ينادي بصخب.. لقد عرف ضاري صاحب الصوت، فاستدار، ولكز جواده حتى وصل إليه:
ترجّل ضاري، وعانق الراعي الذي كان ممسكاً بزمام ناقة عجفاء قال الراعي باستحياء:
ـ إنها خلوجك يا أخي.. أنسيت ذلك؟
لامس ضاري رقبة الخلوج معاتباً، فقفزت دمعتان حارقتان من عينيه أزاحهما بشموخ قائلاً:
ـ لتبق أمانة لديك.
ـ كما تريد يا أخي.
لحق ضاري بالموكب، واحتل مكاناً بجوار كاسر، وسرق نظرة عجلى إلى هودج هدوة، فرآها تبتسم له.
قال كاسر لضاري:
ـ أعتقد أننا في الطريق إلى قبيلة الشيخ منديل؟
ـ أجل، إنه شيخ الفيضة، ولن نتوقف إلا عند الشيخ رواس في بير أبو حيّه، لننطلق بعدها إلى شيخ المحيسن في بير المناجيد.
الموكب يسير، وصهيل الخيل وحمحمتها ألحان تملأ الصحراء رعباً.. الشمس ما زالت تستنفر كل أطيافها المغبّرة كي تلملم ما تناثر من شقوق اليباس إثمداً يجلو العيون، وتنسج رداءً سندسياً يضفي على مسيرة الشيوخ مهابة، وتدندن كلمات أغنية تستحم على الهضاب بدون ارتياب.. نثارها اللماع ينداح هديراً يمور من لفحه توهج الآمال..
سبابات خشنة مبعثرة كالنجوم حين يحط الغروب رحاله تومئ.. تساءل ضاري:
ـ ترى من القادم من رحم السراب؟
من ذا الذي يعبر الهموم إلى أفق الابتسامات؟
قال الشيخ مروّح مشيراً إلى خيالات اختبأت خلف رابية:
ـ اذهب يا ضاري مع عدد من الفرسان، والحق بهم..
طوّق ضاري وفرسانه مجموعة من الرجال لا تقل عنهم عدداً ترجلوا عندما أحيط بهم من كل جانب، ورفعوا أيديهم عالياً.. صاح بهم ضاري:
ـ من أنتم؟ ولمَ اختبأتم؟
ـ نحن يا أخا العرب ذاهبون إلى أبي العنود.
ـ وهل تعرفونه؟
ـ نحن من رجاله.
ـ تعالوا معي..
ذُهل أبو العنود عندما رآهم.. اقترب منهم قائلاً:
ـ ألم تجدوه؟
ـ لقد احتضنه الشيخ مناور.
ـ انضموا إلى إخوانكم الذين يسيرون معنا.
قال الشيخ مروّح مستغرباً:
ـ ما خطبكم؟
ـ إنهم من فرساني كنت قد أرسلتهم ليلقوا القبض على هدروس الذي قتل زوجتي وحاول قتلي، وعادوا عندما احتضنه الشيخ مناور.
ـ لا عليك يا ولدي سيأتيك بإذن الله صاغراً.
توقف الموكب عندما رأوا موكباً رائعاً من الفرسان يرفع الرايتين أيضاً البيضاء والخضراء فهلل الشيخ مروّح قائلاً:
ـ الله أكبر.. الله أكبر.. إنهم أخوانكم لكن من الذي جمعهم؟
أجاب الشيخ مشعان ضاحكاً:
ـ رسلي منذ يومين يجوبون الصحراء.. أنا من أرسل في طلبهم.
ـ من أرى يا أبا فهيد؟
ـ إنه الشيخ منديل وفرسانه، والشيخ منصور شيخ الدفينه وفرسانه، والشيخ رواس شيخ الكعره وفرسانه.
ـ لنحتفل بقدومهم يا أبا فهيد.
ـ لن نتوقف يا أخي إلا في بير المناجيد عند الشيخ محيسن كي لا يتبقى لنا سوى مسيرة نصف يوم.
ـ كما تشاء يا أخي.
سار الموكبان جنباً على جنب خيولهم تخبّ ناثرة زبداً صابونياً، تحمحم في كل واد، ترنو إلى البعيد، فتصهل صهيل غضب..
إيه أيها الآتي.. لن نرتدي رداء الذل والقهر بعد اليوم.. الخير آت، والحب والعطاء رايتان سترفرفان في كل الروابي..
قال الشيخ مروّح للشيخ مشعان:
ـ أتدري يا أبا فهيد أن المحيسن هم أخوال هايل؟
ـ لا.. ولكني أعرف أن بينكما جفوة.
ـ أجل بسبب ابنتي هدوة، لم يشأ ربك يا أبا فهيد أن يزوجها لابنك أو لابنه..
إنها إرادة الله التي قضت أن يتزوجها ضاري إن شاء الله.
ـ يا أبا هايل كل ما يقدره الله هو خير إن شاء الله.
ـ لا أعرف كيف سيستقبلني الشيخ محيسن؟
ـ سيستقبلك بالترحاب، وستجد عنده الشيخ مصلح والشيخ صالح والشيخ متعب.
ـ ماذا تقول؟
ـ ستجدهم حتماً، لقد طلبت منهم أن يجتمعوا عند الشيخ محيسن وينتظرون مجيئنا.
ـ كيف؟ والدماء التي بينهم؟
ـ ستقضي أنت بالذات يا شيخ مروّح بكل قضاياهم، وسيرضخون لحكمك شاؤوا أم أبوا.
ـ ليعنّي الله يا أخي.
توقف الموكب الكبير فجأة عندما سقط شيخ من جواده على الأرض.. لقد كان الشيخ بديوي العبلان..
صرخ الشيخ مروّح بالحكيم المهادي الذي أسرع على الفور.. وعاينه، وأسقاه جرعة من زجاجة أخرجها من خرجه..
أبو العنود يتلوى من الألم. أمسك بيد ضاري متمتماً:
ـ ابنتي العنود يا ضاري هي أمانة عندك..
نشج ضاري قليلاً، وهدّأ روعه، قائلاً..
ـ ابنتك هي أختي ولن نتخلى عنها أبداً، لا تخف يا أبا العنود. اقترب الحكيم المهادي، وقال ضاحكاً:
ـ أرى الشيخ بديوي يوصي وكأنه يريد أن يفارق الدنيا؟ قم يا رجل إنها آلام السم الذي يجري في عروقك، وقد شربت جرعة ستشفيك بإذن الله.. قم يا أبا العنود..
لم يستجب أبو العنود، فغفا قليلاً، لكنه آفاق بعدها، ونهض لكنَّ دواراً غريباً ما زال يعبث برأسه..
قال الشيخ مروّح:
ـ لنرتح قليلاً من أجل أبي العنود.. أين طرماح؟
كان طرماح جاهزاً لكل إيماءة.
ـ ما بك يا عماه؟
ـ جهّز لنا القهوة بسرعة.
ـ في الحال يا عماه.
عقد الشيخ في استراحتهم جلسة طويلة، ناقشوا فيها خط سيرهم، وخطة عملهم، ولما كان التساؤل فيما لو لم يستجب أحد فما هو العمل؟ كان رد الشيخ مشعان قاسياً وأقسم بالله ثلاثاً بأن أي شيخ أو فئة أو جماعة مانعت الاتفاق سيقاتلها حتى تفيء لأمر الله.
قال الشيخ مروّح: اطمئن يا أبا فهيد بإذن الله لن يسود إلا الوفاق. الأرض كلها لكل عربي أينما شاء فليتجه، وأينما أراد فليسترح وأي بئر وكلأ في هذه البادية هي ملك للجميع.
كبّر الشيوخ طويلاً، وهللوا كثيراً، وتعانقوا، فوقف ضاري قائلاً:
شموس الربيع ابتسم
وأزهار على مد المبوحر
بمقابل الخال ويّا العم
نمت بهنا ماني مساهر
زالت أيام الضنا والهم
وجنا بمرج يمرح الخاطر
يا حلا من صدورهم الضم والشم
بجمع العشاير نمشي ونفاخر
جاء بعد ذلك الشيخ بديوي العبلان باسماً وقال:
ـ أين الحكيم المهادي؟ دلوني عليه.. أريد أن أقبّله وأشكره، والله لقد سبقني في الطب، ونال المكافأة.
قال الحكيم المهادي، وهو ليس بعيداً عنه:
ـ مكافأتي يا أبا العنود أن تركب جوادك لنسير إلى مبتغانا.
ضحك الشيوخ، وامتطوا صهوات خيولهم متجهين إلى الشيخ محيسن، يحدوهم الأمل بلقاء حار وصفاء نفوس ووحدة حال.
***
big love
06 - 08 - 2009, 03:08 PM
(25)
موكب الخير ينثر الضياء في كل مكان من الصحراء..
آلاف الفرسان تطأ خيولهم أوعر المسالك. أيتها الصخور الناتئة تشبثي ما شئت بأديم الأرض فالسيل الآتي قادر أن يحيلك خبراً، ويا شقوق الأرض ضمي في مساربك دود الأرض واطمري الأفاعي، فغليان الغضب يرسل هديره في آفاق كل مفازة ومتاهة..
إلى الجحيم أيتها الهموم، فسيبقى الخير نهراً، وتظل الأجساد تعج بالنبض والفرح تسحق ذؤابات الخوف والهلع، وتخمد أنفاس كل الطحالب والبراكين المتوثبة..
ها هو الفجر ينساب منسرباً بين الأصابع يمزق عباءة الليل، ويغمر النفوس المترعة أملاً، ويلاحق فلول الرياح المسمومة.. قال الشيخ محيسن لضيوفه.
ـ والله الذي لا لإله إلا هو ما مرَّ علي يوم كهذا اليوم، فإن كنت مخطئاً فأنا بين أيديكم وأرضي ومالي وحلالي كله تحت تصرفكم، وإن كنت مسيئاً فلكم أن تخلعوني اللحظة، فلست بطامع ولا غاز ولا معاد أحداً.
أسرع ولده منادي وقبّل يد الشيخ مروّح طالباً العفو والمغفرة، فقال الشيخ مروّح باسماً:
ـ ما جئنا والله لنقتصّ منك يا ولدي على إساءتك، ولا لنقرّع أباك على وقوفه إلى جانبك في تعاليك.. مسيرتنا مسيرة خير وبركة بإذن الله.. نحن منكم وأنتم منا لا مكان بيننا للحقد والضغينة، بل الحب والخير والعطاء..
تعانق الشيخان مروّح ومحيسن، ثم اقتربا من الشيخ مشعان.
قال الشيخ مشعان: يا أبا منادي لِمَ لمْ ترسل في طلب الشيخ متعب؟ أما زلت حاقداً عليه؟
قال الشيخ محيسن: أنا سأتحدث وأنتم ستحكمون.
قال الشيخ مروّح: نحن لا نحكم من طرف واحد، سنسمعه أيضاً وستكون المواجهة بينكما، ثم بعد ذلك نصدر أحكامنا.
قال الشيخ محيسن: لكنه قتل منا سبعة رجال، واستولى على قطيعين من أغنامي ظلماً وعدواناً، ولن أغفرها له أبداً.
وقف الشيخ مشعان غاضباً وقال:
ـ اسمع يا أبا منادي لن ننام عندك الليلة، وستذهب معنا إما معززاً مكرماً، وإما ذليلاً مهاناً فاختر لنفسك أي الطريقين تود أن تسلكه.
قال الشيخ منديل: لن يذهب الشيخ محيسن إلا معززاً مكرماً، وأنا سأدفع له كل الخسائر التي لحقت به من جراء اعتداء الشيخ متعب عليه، وسيعتذر الشيخ متعب له، وإن رفض فسيلقى جزاءه على يدي الشيخ مروّح..
قال الشيخ مروّح: أنا موافق يا أبا شلاش على ما اقترحته.
لم تكن الرحلة إلى الشيخ متعب طويلة أو شاقة.. كان ينتظر بفارغ الصبر وصول الشيوخ، وقد وقف إلى جانبه شيخا الصوالحة مصلح وصالح، وعمت الفرحة وجوه الشيوخ والفرسان، وكم كانت مفاجأة عندما تقدم الشيخ متعب وعانق الشيخ محيسن واعتذر له دون سابق إنذار.
لم ينم أحد من الشيوخ إلا وقتاً قصيراً، وعندما بزغ الفجر، وشعشعت الشمس كان الموكب الكبير يسير الهوينى حتى بلغ مشارف قبيلة الصافي.
توقف الموكب، وأطل ضاري على خيام قبيلته، وكانت ريمة تطلّ من هودجها على تلك المضارب التي رأتها غريبة عنها فبكت ونشجت طويلاً.
لم يمض من الوقت حتى كان الشيخ مناور مع كوكبة من فرسانه يستقبلون الموكب الكبير..
ترجل ضاري فور رؤيته الشيخ مناور، فترجّل الشيوخ كلهم..
سار ضاري باتجاه الشيخ مناور، فصاح به الشيخ مروّح:
ـ توقف يا ضاري.
توقف ضاري، وعيناه تقدحان بالشرر..
قال الشيخ مروّح عندما أقبل عليه الشيخ مناور مرحباً:
ـ أهلاً بك يا أبا نوار..
فأجابه الشيخ مناور، وهو يصطنع الابتسامة:
ـ أهلاً بكم في قبيلة الزغيب؟
صاح به ضاري غاضباً:
ـ قل في قبيلة الصافي أيها الجاحد الغادر..
امتلأ الشيخ مناور رعباً وخوفاً، وأخذ يتمتم راعشاً:
ـ حمداً لله على سلامتك يا ضاري نحن قبيلة واحدة يا ولدي.
ـ لا والله.. لم نكن كذلك، ولن نكون أبداً.
ـ ضاري يا ولدي أنا لم أرتكب إثماً.
صاح الشيخ مروّح:
ـ كفى يا شيخ مناور.. لن نحاسبك الآن.. أين أنت يا طرماح؟
وقف رجل عملاق تنبي تقاسيم وجهه عن قسوة مرعبة، فقال:
ـ أنا هنا رهن إشارتك يا عماه.
ـ احفر في هذا المكان لحداً.
ارتجف الشيخ مناور، وانهار على قدمي الشيخ مروّح، ثم تشبث بأذيال الشيخ متعب، فأنهضه.
قال الشيخ مروّح:
ـ لا تخف يا أبا نوار.. هذا اللحد ليس لك.
تشنج وجه الشيخ مناور هنيهة، ما لبثت أساريره أن انبسطت، وصاح فرحاً:
ـ لن أكون والله إلا معكم.. يا أهلاً ومرحباً.
قال الشيخ مروّح:
ـ بلغني أن الشيخ هدروس يقيم عندك.
ـ نعم.. لقد فر من رجال كانوا يودون قتله.
ـ ألم تعرف لماذا؟
ـ لا، وأقسم على ذلك.
ـ أرسل في طلبه، فهو مجرم حاول قتل الشيخ بديوي العبلان بعد أن قتل زوجته.
ـ قاتله الله لم يقل لي ذلك، وسأجلبه لكم في الحال.
همس الشيخ مناور في أذن أحد فرسانه، فلوى الفارس عنان جواده وقفل راجعاً إلى الخيام.
قال الشيخ مروّح:
ـ لم غدرت بالشيخ حجلان يا أبا نوار؟
ـ أنا لم أغدر به والله، وإنما الشيخ قد فقد عقله.
ـ ماذا تقول يا رجل؟
ـ إن لم يكن ما قلته صحيحاً فلكم أن تسألوا الشيوخ متعب ومصلح وصالح.
ـ ولمَ أرسلت رسلك للتحالف ضد عدد من شيوخ القبائل؟
ـ لأنهم منعوا عني الكلأ والماء.
ـ اسمع يا شيخ مناور: ستمثل أمام الشيخ حجلان، فهو وحده الذي يقرر مصيرك، وسيصدر أحكامه بحقك وحق كل الجائرين الذين ظلموه.
يا طرماح قيّد الشيخ مناور، وأحكم وثاقه.
ـ يا عماه جاء الفارس بالشيخ هدروس.
ـ أوثقه أيضاً.
أمر الشيخ مروّح أن يظل بجانب اللحد ضاري وريمة وهدوة ورمثة وهايل وعدد من الفرسان قائلاً للشيوخ الذين اقتربوا منه دهشين:
ـ الشيخ حجلان كان قد أقسم بالله ألا يرى ولديه إلا في اللحد، فأريد إبقاءهم هنا حتى إذا ما عدنا بالشيخ حجلان ليرى ولديه سيجدهما في هذا اللحد براً بقسمه.
أثنى الشيوخ على رأي الشيخ مروّح، وساروا جميعاً إلى خيمة الشيخ حجلان بعد أن طلب فك وثاق الشيخ مناور مؤقتاً.
الموكب يسير الهوينى ناثراً عبق النسيم على شفاه رتلت أنشودة الوفاء. فاهتزت لها شجيرات الشيح والقيصوم والخزامى فرحة..
إنها قافلة الأحلام تتهادى على أجنحة الأمنيات تشم عبق الأرض وتزفر الآه في فضاء يحرق كل الكلمات.. لقد اختفى الهجير مع الظلال من جنون الغيوم وفيض الهموم..
ها هو الركب يمسح جبهة الحزن، يساقي ثغر الزمان، يهب الصمت كلاماً ويسترخي على غابة من الحنين..
كان الشيخ حجلان في فراشه يغفو تارة، وينهض تارة أخرى، لا يبارح الخيمة، يتكئ على بندقيته إذا ما سار، يحتضنه جزاع تارة والعنود تارة أخرى بكل الحب والوفاء..
صاح جزاع قلقاً، وقد رأى سيل الفرسان المنحدر من قمة الجبل:
ـ انظر يا عماه.. انظر.. لا أعرف ماذا جرى؟
وقف الشيخ حجلان بثيابه الرثة يحدق ذاهلاً..
الموكب يقترب، والوجوم يخيم، وألف سؤال يرتجف على الشفاه.. كان الشيخ مناور في المقدمة يدل الموكب على خيمة الشيخ حجلان، وسار الشيوخ صفاً واحداً.
ـ يا عماه إنهم قادمون إلى هنا.
ـ وماذا يريدون مني بعد أن أخذوا كل شيء؟
توقف الشيوخ على بعد أمتار من الشيخ حجلان.. نظر إليهم بتثاقل.. اقترب الشيخ مناور من الشيخ حجلان قائلاً:
ـ إنهم ضيوفك يا أبا ضاري.
أهلاً بهم أما أنت فلتخرج من هنا، وليرحل معك متعب ومصلح وصالح لا أريد أن أراكم أيها الجاحدون.
أشار الشيخ مروّح إلى كاسر ومردود ليربطا الشيخ مناور على جواده وتقدم معانقاً الشيخ حجلان، ثم تقدم الشيخ مشعان فاحتضنه الشيخ بلهفة، وتقدم الشيخ بديوي العبلان، وعانقه وبكى على كتفه، وتتالى تقدم الشيوخ ووجهاء القبائل واحداً بعد الآخر، وأشار الشيخ مروّح إلى الشيوخ متعب ومصلح وصالح أن لا يقربا الشيخ حجلان، فبقوا بعيدين.
قال الشيخ مشعان متألماً: ماذا جرى لك يا أبا ضاري؟
فردّ عليه متنهداً:
آني انخلط ونّي مع احداي
من طرّفوا ربعي عن احداي
شالوا أمس ظليت أنا وحداي
بين الحيايا عيشتي والذياب
قال الشيخ مروّح، وقد رأى دموع الشيخ حجلان تنهمر مدرارة:
ـ أتبكي يا شيخنا؟
فرد عليه بتنهد عميق: أبكي على الذي ضاع مني.
ـ ملكك سيرّد إليك الآن يا شيخنا.
ـ والله ما تمنيته يوماً.. قولوا لي الآن ماذا تريدون مني؟
فهم الشيخ مروّح ما يرمي إليه الشيخ حجلان، فقال:
ـ نريد منك يا شيخنا أشياء كثيرة، أولاً نريد حكمك على من خانك، وغدر بك، وسبب لك التعاسة زمناً.
ـ الحكم لله يا أخي، وأنا راض بحكمه..
ـ ماذا تريد أن نفعل بأبي نوار؟
ـ حلّوا وثاقه.. لقد كان يوماً ما والد زوجتي.. لكنني أريده أن يرحل من هنا في الحال.
ـ وماذا تريد أن نفعل لك بالشيخين متعب ومصلح؟
ـ لا تمسوهما بسوء، فلقد كانا من أعز أصدقائي، وما بخلت عليهما بشيء اقدر عليه، وهما يعرفان ذلك جيداً..
أمر الشيخ مروّح كاسراً ومردوداً بحل وثاق الشيخ مناور، وترحيله من القبيلة، اقتربا منه، فحلا وثاقه، وما أن تحرر من الوثاق حتى عاجله الشيخ متعب بعدة طلقات نارية أردته قتيلاً.
فزع الحاضرون، وتقدم الشيخ متعب نحو الشيخ حجلان مقدماً له مسدسه قائلاً:
ـ اقتلني يا أبا ضاري لأنني لا أستحق أن أكون سيداً في قومي، لقد خدعنا ذلك اللئيم عندما أقنعنا بأنك فقدت عقلك، فبايعناه، وساعدناه، وعندما جئنا إليك لنطمئن على صحتك شهرت في وجوهنا السلاح، فأيقنا من صحة ما قاله..
أستميحك عذراً، وإنني الآن أمام الجميع أخلع نفسي لأبقى في خدمتك، وسقط عند قدمي الشيخ حجلان، وفعل كذلك الشيخان مصلح وصالح، فأنهضهم الشيخ حجلان وعانقهم بحرارة قائلاً:
ـ لا عليكم، ستبقون كما كنتم، وإنني أشهد الجميع بأنني قد سامحتكم.
اقترب الشيخ بديوي العبلان من الشيخ حجلان باسماً، وقال:
ـ أعرفتني يا شيخي الكريم؟
ـ لا والله يا ولدي، وأشكرك على مساعدتك لي، ثم تأمل جيداً وجه الشيخ بديوي، فتمتم: يا قوة الله، من أرى؟ يالعنود تعالي يا بنتي، فأبوك هنا حي يرزق.
شق حجب السكون صوت امرأة تصيح باكية: أبي.. أبي..
ـ أنا العنود يا أبي.
احتضن الأب ابنته بلهفة، وبلل وجنتيها بدموع سخية، فبكى الشيخ حجلان، وأبكى الحاضرين..
قال الشيخ بديوي، وهو يحتضن ابنته:
ـ يا لك من وفي أيها الشيخ الجليل.
فأجاب الشيخ حجلان مطأطئاً رأسه:
ـ والله يا ولدي لقد وردتني الأخبار أكثر من مرة معلنة وفاتك، وقرأت الفاتحة على روحك مراراً، وكان لابد لي من أن أزوج ابنتك بمن أحبها وأحبته.
ـ ومن هو زوج ابنتي يا عماه؟
ـ ولدي جزاع.
قالت العنود:
ـ إنه والله نعم الزوج، وأشارت إلى جزاع أن يتقدم فتقدم خجلاً، وعانق الشيخ بديوي الذي قال باسماً:
ـ الحمد لله الذي رزقني بولد ارتضاه الشيخ حجلان زوجاً لوحيدتي، وارتضته ابنتي لنفسها، وأنا أبارك هذا الزواج، وسأعيش معهما، ولن أفارقهما ما حييت.
قال الشيخ حجلان لأبي العنود:
ـ والله يا ولدي لقد كنت وما زلت سعيداً بهما.. إنهما والله في مكان من فقدتهما، ومسح الشيخ حجلان دمعتين هطلتا على خديه بقوة.
قال الشيخ مروّح: لقد أنقذ الله ابا العنود من موت محقق عندما دس لـه المجرم هدروس السم في طعامه، ففقد الشيخ بديوي زوجته، وهو ما يزال يعاني حتى الآن من آثار السم، وقد التجأ المجرم على الشيخ مناور فأجاره وهو الآن هنا مكتوفاً نريد حكمك به..
تقدم الشيخ هدروس مكتوف اليدين، وسقط عند قدمي الشيخ حجلان فقال له:
ـ لِمَ يا ولدي فعلت ما حرّم الله؟
ـ الشيطان دفعني ففقدت صوابي، وإني أتوب أمام الله وأمام الجميع، وأعلن بأنني سأظل خادماً مطيعاً لأبي العنود، وأرجوه أن يعيدني لزوجتي وأولادي الصغار.. أرجوك يا شيخ حجلان.
نظر الشيخ حجلان في عيني أبي العنود طويلاً، فهزّ رأسه عدة مرات، ثم قال لأبي العنود:
ـ ماذا تقول يا ولدي، وأحب أن أذكرك بأن الله أمرنا بالقصاص كما أمرنا بالعفو، وجعل بالعفو خيراً.
قال الشيخ بديوي العبلان، واقترب من الشيخ هدروس، وحل وثاقه: إني أعفو عنه يا شيخ حجلان.
قال الشيخ مروّح: والآن بقيت لنا فيك حاجة يا شيخ حجلان.
ـ حاجتك مقضية بإذن الله.
أريد منك يا أبا ضاري، ويريد كل ضيوفك أن ترافقهم مسافة ليست بعيدة من هنا.
ـ والله يا أخي لا أستطيع السير إلا بصعوبة.
ـ سنحملك على أكتافنا والله.
ـ لا يا أخي، سأسير معكم، واسمحوا لي أن يسندني جزاع والعنود.
ـ كما تريد يا شيخنا.
المفاجأة أوقعت العنود مغمى عليها، أما جزاع فأخذ يلهث كالأبله، وهو يصيح بصوت متقطع: ضاري.. ريمة.. أما الشيخ حجلان فاقترب من اللحد ومد يديه.
قال ضاري ناشجاً:
يا نظر عيني لا تباعدني
مصابح يا بوي أماسي جفوني
مشتاق لحضنك والشمات زدني
عوّض علي محروم العطوفي
رنا إلى وجه ريمة فكان مبللاً بالدموع تمد يدها وتقول:
خذني على صدرك يا بوي هدهدني
ومخاوي الجوارح زاد خوفي
منك السماح والغفران يسعدني
ورضاك يا بوي علاج موصوفي
أمسك ضاري باليد اليمنى، وتشبثت ريمة باليسرى، وعانقاه عناقاً دامعاً نشج له الحاضرون طويلاً..
نحرت الجزور والخراف على مد البصر، وعاد جزاع إلى مهباشه وقهوته..
صاح الشيخ حجلان به أن يأتي بالقهوة المرة، فجاء مهرولاً.. وضع الشيخ مروّح فنجان القهوة على الأرض. فجمد جزاع في مكانه، ونظر الشيخ حجلان إلى عيني الشيخ مروّح باستغراب قائلاً:
ـ اشرب فنجانك يا شيخ مروّح، فوالله ما رددت طالباً طوال حياتي، وما تريده مقضي بإذن الله، والكل يشهد.
ـ أريد يا شيخ ابنتك ريمة زوجة لولدي هايل، وأريد ضارياً زوجاً لابنتي هدوة.
رفع الشيخ حجلان كفيه، وقرأ أم الكتاب بصوت جهوري، وفعل الحاضرون فعله، فأطلقت الزغاريد وصيحات الفرح، وقال الشادي:
عروسنا زينة وجمال
عروسنا بنت الدلال
تسوى الذهب ويا الحلال
مثل الشمس بأنوارها
ثم قام جزاع راقصاً وبيده دلة القهوة والفناجين قائلاً:
عريسنا نعم الرجل
فرع عريب بالأصل
ناره جثير بالمحل
يطعم جياع الباديه
عريسنا راعي الكرم
راعي النصايح والشيم
لي ادلهمت ما ينهزم
وإن اقبلت هوَّا لها
ثم دوى الرصاص في كل مكان ابتهاجاً وفرحاً وسعادة.
تسللت العنود وريمة وهدوة إلى خيمة جزاع، ولحقهم ضاري، كان جزاع يرمقهم بكل الحب والفرح الكامنين فيه، لكنه جمد في مكانه هنيهة، وتمتم قائلاً: رباه ماذا أرى؟!
كانت امرأة ملثمة تحوم حول خيمته متلفتة يمنة ويسره، تهمّ بالدخول.. أوجس جزاعٍ خيفةٍ، فهرول شاهراً خنجره، ولحق بالمرأة الملثمة.. لقد رآها، وهي تسل خنجراً لامعاً، وتقترب من ضاري، وكادت تهوي بالخنجر على ظهره لولا أن عاجلها جزاع بطعنة في ظهرها، صرخت في إثرها صرخة مفزعة، ثم وقعت تسبح في بركة من الدماء.
نزع ضاري لثام المرأة التي حاولت الفتك به، فتملكته الدهشة، لقد كانت تلك المرأة هي نوار..
نظرت إليه بعينين ذابلتين، وتمتمت بوهن، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة:
ـ لقد انتصرت يا ضاري ولم تركع..
وخمدت أنفاسها إلى الأبد.
قال ضاري لجزاع:
ـ احفر لها قبراً، وادفنها بجانب أبيها.
خرج ضاري من الخيمة، وقد تملكه حزن غريب، يعابث في الرمال ملاعب الذكرى، فينهض في انكسار يرتل أبجدية لم تعرفها الصحراء من قبل.
المساء على غير عادته جاء متدثراً تاركاً جسده حطاماً.. جلس على رابية متسربلاً بالأنين، حاملاً أسئلة يجللها الغبار، وراح بصمت يلملم شتات الذكرى..
لم يأبه بالأصوات التي تناثرت حوله، لكن صوتاً واحداً ممزوجاً بالأنين جعله ينتفض بعصبية، متلفتاً بحيرة قائلاً:
ـ أهذا أنت؟
ـ أجل أنا، أرجوك أن تأخذ الأمانة التي أودعتني إياها.. انظر يا أخي..
حدّق ضاري ملياً في عيني الراعي، فقال له الراعي فرحاً:
ـ أزف لك بشارة يا أخي.. إنها لم تعد خلوجاً، ولن تئن أبداً، فقد حملت، ووضعت منذ أيام.. أنظر إليها إنها هناك مع فصيلها..
هرول ضاري نحوها فرحاً ولامس رقبتها معاتباً، فأخذت تشم وجهه بارتياح، لكن ثمة أنين خافت سمعه ضاري ما زال ينطلق رتيباً من جوفها.
***
انتهت الرواية
محمد رشيد الرويلي
دير الزور 25/10/2002
jonoon
23 - 08 - 2009, 07:55 PM
يسلموو
روووووووووعه
بحر الندى
28 - 08 - 2009, 11:35 PM
شـكــ وباركـ الله فيكـ ـــرا لكـ...
وجزيتي كلـ الخير
ودمتيـ مبدعهـ و متالقهـ
ووفقكـ الله الى كلـ ما فيهـ خير و صلاحـ
لك مني أجمل تحية .
الوان السما
29 - 08 - 2009, 05:50 AM
يسلمووووووووووووو على النقل
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir
diamond